الكاتبة اسماء الياس
ربما كل شيء جائز، لكن الذي أنا متأكدة منه، نظراتك تلك التي فيها كم هائل من السحر والجاذبية، صدقني أنا أقول الحقيقة.
لكن خبرني: هل حصل معك مثلما حصل معي، عندما تشاهد شخص ما أول مرة تشعر بأنك كنت على معرفة مسبقة به من قبل؟
لكن كيف تفسر ذلك؟ أكاد أجن. عندما أنظر نحوك كأني أنظر للوحةٍ شاهدتها من قبل، بكل تفاصيلها والوانها وخطوطها.
ألست معي بان هذا فيه من الغرابة الشيء الكثير؟ أو أنك تقول بأن هذا شيءٌ عاديٌ بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
توقفت عن الحديث حتى أفسح له الفرصة بأن يجيب عن تساؤلاتي. كانت نظراته توحي لي بأنه سبق وان رآني، ربما في حفل ما أو أمسية أو لقاء أو اجتماع أو شيء من هذا القبيل.
تكلم وكان وقع كلماته على قلبي وروحي مثل وقع اللحن الفرح على القلوب التي غادرها الفرح منذ زمن وعاد إليها بلحظة فارقة، جعلته يشعر بأن الحياة يوجد بها ما يستحق ان نحيا من اجلها.
رويدًا أيتها السائلة الباحثة عن جذور الحقيقة في غياهب هذا العالم الذي يكتنفه الظلام والقسوة والاجرام.
أنا لست بغريب ولا إنسان يبحث عن شيء افتقده منذ غابر الأزمان، أنا إنسان يعيش حياته كما يحلو له، لقد أعطوني اسمًا عندما ولدت. على فكرة اسمي ناهي وكنيتي جمال. أنا طبيب تجميل. أعيد الجمال لمن فقده في حادث عارض.
فأنا أقدس الجمال وأعتبره نعمة من نِعَمِ الطبيعةِ التي وهبتها للإنسان، لذلك يجب أن نحافظ عليه ونصونه، وإذا حدث لنا حادث خارج عن إرادتنا يجب أن نكون متيقظين ومبادرين على إصلاح ما دمر.
لهذا وجدت نفسي ميالًا لطب التجميل.
عرفيني بنفسك إذا لم يكن لديكِ مانع. فقد عرفتك بنفسي بشكلٍ جعلني متأكدًا بأنك أخذت فكرة طيبة عني.
من دون شك. سوف اعرفك بنفسي. أنا ممثلة مسرحية، أمثل كل الأدوار التراجيدية والكوميدية والجادة. الاسم الذي عندما ولدت أعطوني إياه دون أن يكون لي رأيٌ به وهو سماهر أما الكنية فهي ظاهر.
أحب ما أقوم به لأن قيمة الإنسان بما يعمله ويقدمه للمجتمع.
تبسّم ناهي ابتسامة دافئة ازدادت معها تلك الجاذبية التي سحرتني منذ اللحظة الأولى، وقال بنبرة ملؤها التقدير:
سماهر ظاهر... اسم يحمل في طياته غموض الفن وعمقه.
التمثيل مهنة تعيد صياغة الروح، تمامًا كما أحاول أنا إعادة صياغة ملامح الجسد. نذرنا أنفسنا للجمال وترميم ما أفسدته قسوة الحياة، كلٌّ بطريقته الخاصة.
صمتَ لبرهة، شخصت نظراته نحوي كأنما يحاول قراءة ملامحي بطريقة مختلفة هذه المرة، ثم أردف قائلاً:
أما عن شعوركِ الغريب بأنكِ رأيتِني من قبل... فدعيني أعترف لكِ بأسطورةٍ قديمة طالما آمنتُ بها؛ يُقال إن الأرواح المتشابهة في رؤيتها للجمال والحقيقة تلتقي في أحلامها قبل أن تتجسد في الواقع. ربما لم نلتقِ في أمسية أو حفل يا سماهر، بل التقت أرواحنا في مساحة ما فوق هذا العالم القاسي.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، ووقع كلماته اخترقت أعماقي كعزف شجيّ يوقظ ألحاناً ظننتُ أنها اندثرت. ابتسمتُ وقلت له بصوت يملؤه التحدي والشفافية:
إذاً، يا دكتور ناهي... هل تعتقد أن هذا اللقاء بين الممثلة التي ترمم الأرواح، والطبيب الذي يرمم الملامح، هو مجرد مصادفة عابرة، أم أنه بداية لقصة لم تُكتب فصولها بعد؟
نظر إليها ناهي ببريقٍ دافئ في عينيه، وقال بنبرة يمتزج فيها اليقين بالشفافية:
المصادفة يا سماهر هي كلمة نطلقها عندما نعجز عن تفسير تدبير القدر. والتقاء من يُعيد للروح أملها مع من يُعيد للجسد رونقه، لا يمكن أن يكون مجرد عابر طريق... بل هو بداية لحكاية كُتبت بمداد النور.
مع مرور الأيام، لم تكن خشبة المسرح بالنسبة لـ سماهر مجرد مكان للتمثيل، بل أصبحت منبراً تفيض فيه بالصدق والأمل، وكان ناهي يواظب على حضور كل عرضٍ لها، يترقب إبداعها بشغفٍ يتجدد في كل مرة. وفي المقابل، غدت هي ترى في عمله الإنساني عمقاً يتعدى حدود الطب؛ كانا يكملان بعضهما بعضاً، كأن كل واحد منهما وجد في الآخر النصف المتمم لرسالته في الحياة.
وفي أمسية هادئة احتضنها المسرح بعد انتهاء أحد العروض العظيمة، خلت القاعة من الجمهور وبقيت أضواء الخشبة الخافتة تنعكس على ملامحهما. وقف ناهي أمامها، وبيده وردة بيضاء بسيطة تحمل سرّ العطاء، وقال بصوتٍ هادئ ينبض بالحب:
كنتُ أبحث عن الجمال في الملامح يا سماهر، حتى التقيتُ بكِ، فوجدتُ الجمال الحقيقي كامناً في روحكِ، وفي شغفكِ، وفي كل كلمة تنطقين بها. لقد أدركتُ الآن لماذا شعرتِ بأنكِ تعرفينني من قبل... لأن أرواحنا كانت تنتظر هذه اللحظة بالذات.
ابتسمت سماهر والدموع تترقرق في عينيها فرحاً، وأدركت في تلك اللحظة الفارقة أن الرحلة لم تكن مجرد بحثٍ عن وجهٍ شوهد في حلم، بل كانت رحلة بحثٍ عن الحب الصادق الذي يمنح الحياة معناها الشريف.
لفت يديها حول الوردة البيضاء، وقالت بنبرة ملؤها الأمل واليقين:
الآن فقط، أستطيع أن أقول إن القصة لم تنتهِ... بل بدأت توّاً، وسنكتب فصولها معاً بالحب والجمال والعطاء اللذين لا ينضبان.
