logo

قصة بعنوان ‘أين المصير‘ - بقلم: الكاتبة أسماء الياس من البعنة

11-06-2026 08:08:28 اخر تحديث: 27-09-2026 12:15:28

جلستُ على حافة العالم أراقب الأحداث، لعل وعسى يحدث انقلاب يجعل هذا العالم يستفيق من سباته العميق. لكن الذي بدا لي هو أن العالم لم تعد تدبّ فيه حياة؛ كأنّ قاطنيه ماتوا ودُفنوا تحت التراب، أ


وربما جاء من يطعمهم حبات منوم حتى يطول الرقاد. 

وجدتُ نفسي أبحث بين التفاسير وكتب الدين، لعلي أجد آية تشير إلى أن من ينام ولا يهتم بحال العباد سوف يُحكم عليه بالسجن مدى الحياة، لكني لم أجد مثل تلك الآية. حاولتُ البحث عن مصدر آخر يدلني إن كان ما زال على هذه الأرض أحياء، فجاءني الرد على تساؤلي: إن الكون عامر بالأحياء، وهؤلاء الذين تشاهدينهم أمواتاً ليسوا بأشخاص، إنما هم دمى يتلاعب بها من لديهم السلطان.

جمعتُ أشيائي؛ أوراق ودراسات وصور ومقابلات كنتُ قد أجريتها بصفتي صحفياً أعمل بإحدى المحطات الإخبارية مع شخصيات اعتبارية أمضت عمرها في رصد الساحة السياسية. فعلتُ ذلك كله لأفهم ماذا يحدث؟ لكن الحال يبدو ميؤوساً منه، والوضع حدث ولا حرج؛ أشواك امتدت في كل الطرقات، والإنسان أصبح رخيصاً لدرجة أن ثمنه بات رصاصة واحدة.

رغم سوداوية المشهد، لم أستسلم. انطلقتُ برفقة صديق عمري، الأستاذ جابر مراد، وهو معلم لغة عربية للمرحلة الثانوية. أما أنا فشريف الماجد، مدرب كاراتيه وجودو، عملتُ في الكثير من النوادي ونلتُ جوائز عديدة لأنني ساعدتُ في خفض نسبة الجريمة؛ إذ كنتُ سبباً في جذب الكثير من الشباب إلى النادي، فالإنسان الرياضي لا يمكن أن يتوجه للعنف أو يكون عنيفاً.

لكن، ورغم كل الجهود، كان العنف يتفشى، وأخبار القتل تملأ المواقع الإخبارية. لذلك، كان علينا التوجه إلى الدكتور رائد سرحان، المحاضر الجامعي في السياسة والاقتصاد. رائد هو صديق الطفولة وابن بلدتي، وله معزة كبرى في قلبي؛ ففي فترة ما من حياتي كنتُ تائهاً لا أعلم أين أتوجه، وكان هو من ساعدني في إعادة برمجة حياتي. عندما علم بميولي للكاراتيه كرياضة للدفاع عن النفس، نصحني بدخول هذا المجال، وبالفعل نجحتُ ووصلتُ إلى هذه المكانة بفضله. كنا كثيراً ما نعمل معاً على إقامة ندوات تثقيفية، ندعو إليها مدربي تنمية بشرية ومتخصصين في النفس البشرية.

توجهنا إلى الدكتور رائد سرحان بعد اتفاق مسبق بأن نلتقي في مكتبه القديم المطل على أطراف البلدة، حيث يحتفظ بأرشيفه الخاص بعيداً عن صخب الجامعة.

دلفنا إلى المكتب، فاستقبلنا رائد بابتسامته الهادئة المعتادة، وإن كانت عيناه تحملان قلقاً لم أعهده فيه من قبل. التفت إلينا وقال بعد أن سكب لنا الشاي بنكهة الميرمية: أهلاً بشريف وجابر.. قرأتُ في صوتك عبر الهاتف نبرة لا تطمئن يا شريف. أخبراني، ما الذي يحمله مدرب الجيل ومعلم لغة الضاد؟

وضعتُ الحقيبة الجلدية الثقيلة على مكتبه الخشبي، وفتحتها لتتناثر الأوراق والتقارير والصور التي جمعتها. قلتُ بنبرة مخنوقة:

دكتور رائد، الوضع تجاوز حد الاحتمال. في النادي أحمي عشرات الشباب من الشارع، وفي المدارس يحاول جابر غرس القيم، لكن في الخارج.. هناك وحش يلتهم كل شيء. الرصاص أصبح اللغة الوحيدة السائدة، والناس غائبون عن الوعي كأنهم دمى مُسيّرة. جئناك لنفهم.. أين المصير؟ وإلى أين تتجه بنا هذه الفوضى؟

صمت رائد لبرهة، وعدّل نظارته الطبية وهو ينظر إلى الصور والتقارير الإخبارية المقلقة. ثم التفت إلى جابر الذي كان يراقب بصمت، وقال:

ما رأيك أنت يا جابر؟ ما الذي تقوله الحروف في زمن الرصاص؟

تنهد جابر بعمق وأجاب:

الحروف تحتضر يا صديقي. عندما يصبح ثمن الإنسان رصاصة، تصبح الكلمات بلا وزن. نحاول السيطرة على العقول بالتعليم، لكن الموجة العنيفة أقوى من الجدران.

وقف رائد واقترب من النافذة، ونظر إلى شوارع البلدة التي كانت تبدو هادئة من بعيد، لكنها تغلي من الداخل. قال بصوت عميق:

ما يحدث ليس عشوائياً يا شريف. بصفتي باحثاً في السياسة والاقتصاد، أقول لكما: إن تغييب وعي الناس ونشر العنف هو بضاعة من يملكون السلطان والنفوذ. عندما يخاف المواطن، وعندما ينشغل المجتمع بالثأر والجريمة اليومية، ينسى حقوقه الأساسية، وينسى المطالبة بالعدالة، فيسهل قياده كدمية. العنف هو الستار الذي يختبئ خلفه المفسدون.

شعرتُ بضربات قلبي تتسارع. سألته:

إذن، هل توجهنا مجرد سراب؟ هل جهودنا في النادي والمدرسة بلا جدوى؟

التفت إليّ رائد، ووضع يده على كتفي بقوة وقال:

على العكس تماماً! أنتم الخط الدفاعي الأخير. أنت بطل رياضتك يا شريف، وتعرف أن الخصم يسقط عندما تفهم نقطة ضعفه. ونقطة ضعف هذا المخطط هو الوعي. هم يريدون للناس الرقاد، ومهمتنا هي إيقاظهم.


جلسنا ثلاثتنا نستعرض الأوراق. وضعنا خطة عمل جديدة لا تقتصر على قاعات النوادي أو صفوف المدارس، بل قررنا إطلاق حملة تثقيفية كبرى في البلدة وخارجها، تجمع بين الرياضة، والأدب، والتوعية السياسية والاقتصادية، لكشف الجهات التي تغذي هذا العنف والمستفيدين منه.

وعندما غادرنا مكتبه في تلك الليلة، وتطلعتُ إلى السماء، لم أعد أشعر بأنني أجلس على حافة العالم هرباً، بل شعرتُ أنني أقف على أرض صلبة. نظرتُ إلى جابر وقلتُ له:

لقد عرفنا أين المصير يا جابر.

ابتسم جابر وقال وهو يفتح كتاباً صغيراً:

نعم.. المصير نصنعه بأيدينا، ولا يُترك ليعبث به الطغاة.