صورة شخصية
الحروب هي السبب في التغييرات الذي يشهدها المناخ.
الربيع انقلب الى خريف والشتاء انقلب الى صيف الأمراض والفيروسات حدث ولا حرج.
غير العنف الذي ازدادت وتيرته كل سنة عن السنوات السابقة، كأننا نعيش في مشهد من فيلم أكشن لا نهاية له.
على فكرة لو جربنا أن نحصي عدد القنابل التي سقطت على رؤوس الأحياء والأبنية السكنية، في الثلاث سنوات الماضية، ما كانت ولا آلة حاسبة استطاعت أن تقدر ذلك الرقم،
لأنه رقم خيالي لا يمكن تصوره.
هذا بالإضافة الى الأموال التي صرفت على حرب لا فائدة منها، سوى أن البيئة تضررت بها، هذه أولًا، وثانيًا البشر الذين ماتوا وأصيبوا بإعاقات جسدية ونفسية. هل لك أن تتخيل الرقم؟
لا أريد أن أتخيل لأني سوف أصاب بصدمة ربما تؤدي فيَّ بأن أقضي بقية عمري بمصحة نفسية.
معك حق لأن من يعيش تلك الأجواء لا بد أن يصاب بانهيار عصبي.
لديَّ تساؤل ربما يكون غريبًا بعض الشيء.
هل يا ترى قدر علينا أن نعيش في المنطقة التي تشهد حروبًا متواصلة لا تهدأ وتيرتها، ولا تنطفئ شعلتها. كأنها شعلة الأولمبياد؟
لا أدري يا وسام. لكن الذي أدريه بأننا نعيش في منطقة لا تهدأ ولا تكف عن محاربة الجيران والدول البعيدة عنا وكل من رأوا بأنهم يمتلكون قوة توازي قوتهم الدفاعية وربما أكثر.
إذًا كيف لنا أن نخطط لمستقبلنا ومستقبل أولادنا وأحفادنا، ونحن نعيش في مكان غيرِ مستقرٍ، ننام على خبرٍ مزعجٍ ونستيقظ على عدة أخبار تعكر مزاج يومك.
حديث دار بين وسام ورافع. وسام تخرج من كلية سياسة واقتصاد. أما رافع فهو محام دولي عمل في عدة محاكم دولية واكتسب خبرة كبيرة.
هناك تعلم بأن الدول الكبيرة هي التي تتحكم بالقرارات التي تصدر عن تلك المحاكم. لهذا قرر الابتعاد والعودة لوطنه ربما استطاع بخبرته أن يعيد الحق لأصحابه.
تنهد رافع بعمق، ونظر إلى الأفق البعيد حيث كانت غيوم الدخان تتماهى مع غيوم السماء الحقيقية، ثم قال بصوت هادئ يحمل مرارة السنين:
يا وسام، في المحاكم الدولية، الحبر الذي تُكتب به القوانين غالباً ما تجففه نيران المدافع قبل أن يطبق. عدتُ إلى هنا لأنني أدركت أن الحق لا يحتاج فقط لمن يدافع عنه بالكتب، بل لمن يعيشه بكل جوارحه وسط الناس.
رد وسام بسخرية مريرة.
لكنك عدت إلى بؤرة النار! كيف لسياسي واقتصادي مثلي أن يبني مشروعاً، وكيف لمحامٍ مثلك أن يرفع دعوى، والأرض من تحتنا تهتز كل ساعة؟ نحن نعيش في اقتصاد الطوارئ وقانون الغاب.
اقترب رافع منه، ووضع يده على كتفه قائلاً.
هنا تحديداً تكمن أوجه العدالة المتعددة. العدالة ليست فقط في القاعات المغلقة ببروكسل أو لاهاي، بل في قدرتنا على الصمود هنا، في حماية ما تبقى من إنسانية الجيران، وفي توعية الناس بأن هذه القنابل لا تدمر البيوت فقط، بل تسمم الهواء الذي سيتنفسه أحفادنا.
صمت وسام قليلاً، ثم سأل بلهجة أكثر جدية.
إذن، ما هي خطوتك الأولى يا رافع؟ هل ستفتح مكتباً للمحاماة وسط هذا الركام؟
ابتسم رافع ابتسامة غامضة وقال:
سأبدأ بقضية لم يجرؤ أحد على رفعها بعد. قضية الأرض ضد من أحرق ربيعها.
نظر وسام إلى رافع بتمعن، بدأت ملامح الإحباط على وجهه تتلاشى وتحل محلها نظرة استكشاف. قال بصوت منخفض:
قضية الأرض؟ أنت تتحدث عن 'الإبادة البيئية' يا رافع. في دراستي للاقتصاد، تعلمنا أن تكلفة إصلاح التربة الملوثة بالفوسفور والمعادن الثقيلة الناتجة عن القنابل تفوق ميزانيات دول بأكملها. نحن لا نخسر بشراً فقط، نحن نخسر قدرة الأرض على إطعام من تبقى.
هز رافع رأسه موافقاً، وعيناه تلمعان بتحدٍ:
بالضبط! وهذا هو المدخل الذي غفلت عنه المحاكم المحلية والدولية في منطقتنا. الجميع يركز على الجرائم السياسية، لكن لا أحد يتحدث عن جريمة تحويل ربيعنا إلى خريف دائم بسبب انبعاثات الأسلحة وحرائق الغابات الممنهجة. وسام، أنا أحتاج لخبرتك الاقتصادية لترجمة هذا الدمار إلى أرقام وحقائق، بينما أتولى أنا صياغة المرافعة القانونية.
مد وسام يده وصافح رافع بقوة، وقال:
إذن، نحن نكون فريقًا واحدًا. سأقوم بإحصاء المساحات الخضراء التي تحولت إلى رماد، وسأحسب حجم التلوث في المياه الجوفية. سنجعل العالم يرى أن هذه الحروب ليست صراعاً على الحدود فحسب، بل هي عدوان صارخ على حق الكوكب في الحياة.
اتفقا على أن يكون مقرهما في بناءٍ قديم شبه مهدم، تحدى القذائف وبقي صامداً كرمز لقضيتهم. هناك، وسط الأوراق والخرائط، بدأ رافع يخط أول عنوان في مسودة القضية: حق الأرض في مقاضاة صُناع الموت.
لم يمضِ وقت طويل حتى انضمت إليهما "نايا"، وهي مهندسة زراعية شابة، كانت تقضي جلّ وقتها في المختبرات المتنقلة بين الحقول المحترقة. دخلت نايا إلى مكتبهما المتواضع وهي تحمل عينات من التربة في أنابيب زجاجية، وقالت بنبرة يملؤها الإصرار:
رافع، وسام. هذه العينات من الحقول الحدودية ليست مجرد تراب، إنها تحتوي على سموم ستبقى في هذه الأرض لمئة عام القادمة. الشركات التي تورد هذه الأسلحة، والشركات التي تطرح مبيدات كيميائية بديلة لعلاج التربة، وجهان لعملة واحدة.
أخذ وسام الأوراق منها وبدأ بتحليل البيانات اقتصادياً، ثم قال بقلق:
الأرقام مرعبة يا نايا. إذا استمر هذا التلوث، سنشهد مجاعة صامتة خلال العقد القادم. لكن المشكلة ليست في الأرقام فقط، بل في تلك الرسائل التي بدأت تصل إلى بريدنا الإلكتروني.
رفع رافع رأسه عن ملفاته القانونية، ملامحه كانت متصلبة:
تقصد التهديدات؟ لقد اتصل بي اليوم ممثل قانوني لإحدى الشركات العالمية، عرضوا علينا منحة ضخمة مقابل تحويل مسار قضيتنا لتكون ضد مجهول بدلاً من تسمية الشركات المصنعة والممولة.
ردت نايا بغضب:
يريدون شراء صمتنا بينما الأشجار تموت واقفة؟
ابتسم رافع ابتسامة باردة وقال:
لقد أخطأوا في العنوان. هذه الضغوط تؤكد أننا وضعنا يدنا على الجرح الحقيقي. نايا، أريدكِ أن توثقي بالصور والتحاليل أثر هذه الملوثات على المحاصيل المحلية. وسام، أريد منك كشفاً بالعلاقات المالية بين تلك الشركات وصناع القرار في الحرب. أما أنا.. فسأعدّ مذكرة ترفع للمرة الأولى إلى المحكمة البيئية الدولية تحت بند خيانة الطبيعة.
بينما كانوا يتحدثون، انقطع التيار الكهربائي فجأة، وسمعوا صوت محرك سيارة تقف ببطء أمام باب المكتب. تبادل الثلاثة نظرات صامتة؛ لقد بدأت المواجهة الحقيقية، والضغوط لن تقتصر بعد الآن على الرسائل والمنح.
توقفت الأنفاس للحظات حتى فُتح الباب ببطء. لم يكن رجلاً مدججاً بالسلاح، بل كان شيخاً طاعناً في السن، يرتدي ثياب المزارعين البسيطة، وعلى وجهه تجاعيد تحكي تاريخاً من التشبث بالأرض. كان يحمل في يده حقيبة جلدية مهترئة.
قال بصوت متهدج: سمعتُ أن هناك من يبحث عن حق الأرض.. أنا كنتُ أعمل حارساً لمستودعات إحدى تلك الشركات قبل سنوات، وهذه الأوراق التي أخفيتها هي عقود تثبت علمهم المسبق بأن المواد التي يروجون لها ستقتل التربة لعقود.
وضع الحقيبة أمام رافع، الذي فتحها ليدهش من خطورة الوثائق؛ إنها الدليل القاطع الذي يربط الشركات الكبرى بدمار البيئة المتعمد.
في هذه الأثناء، كانت نايا في الزاوية الأخرى من الغرفة، منكبة على مجهرها الصغير وعلى وجهها علامات الذهول. صرخت فجأة: "رافع! وسام! تعالوا لتروا هذا.
اندفع الجميع نحوها. كانت تشير إلى عينة تربة ملوثة بشدة، لكن وسط ذلك السواد، كانت هناك بذرة صغيرة قد بدأت تشق طريقها نحو الضوء، خضراء يانعة رغم كل السموم المحيطة بها.
قالت نايا وعيناها تلمعان بالدموع: هذه بذرة لنبات بري قديم، يبدو أنها طورت مناعة طبيعية عبر السنين. إنها لا تنمو فحسب، بل تمتص السموم من التربة وتحولها إلى عناصر غير ضارة! إنها معجزة الطبيعة التي ترفض الاستسلام.
ابتسم وسام وقال: إذن، لدينا الآن السلاحان؛ الأوراق التي تدين ماضيهم، والبذرة التي تبني مستقبلنا. إذا استطعنا إكثار هذه البذرة، سنحطم احتكار الشركات وسنعيد الحياة للحقول التي ظنوا أنها ماتت.
نظر رافع إلى الشيخ المزارع ثم إلى البذرة الصغيرة، وشعر للمرة الأولى منذ سنوات أن العدالة، رغم أوجهها المتعددة، بدأت تتشكل الآن في صورة أمل أخضر ينبت من قلب الركام.
وقف رافع في قاعة المحكمة الدولية، لم تكن خلفه دول تدعمه، بل كانت خلفه ملفات وسام التي فضحت جشع الشركات بالأرقام، وصور نايا التي وثقت معجزة الأرض. وضع رافع الحقيبة الجلدية القديمة والوثائق التي سلمها له الشيخ المزارع أمام القضاة، وقال بوقار هزّ أركان القاعة:
إن قضيتنا اليوم ليست ضد حدودٍ رُسمت، بل ضد مستقبلٍ يُسرق. نحن لا نطالب بتعويضات مالية، فالمال لا يعيد الحياة لشجرة محترقة أو طفلٍ سُمم هواؤه. نحن نطالب بالاعتراف بجريمة الإبادة البيئية وبحق هذه الأرض في الشفاء.
بعد مداولات طويلة وضغوطات حاولت الشركات ممارستها حتى اللحظة الأخيرة، نطق القاضي بالحكم التاريخي: إدانة الشركات الكبرى، وإلزامها بتمويل صندوق عالمي لإعادة إحياء المناطق المتضررة، مع وقف فوري لإنتاج المواد السامة.
ضجت القاعة بالتصفيق، لكن الانتصار الحقيقي كان يحدث في مكان آخر.
في تلك اللحظة، كانت نايا ووسام يقفان في الحقول التي شهدت أولى القنابل. لم يعودا يحملان أنابيب اختبار فحسب، بل كانا يحملان أكياساً مليئة بتلك البذرة المعجزة. انحنت نايا، ووضعت أول بذرة في التربة التي بدأت تتعافى، وقالت بهدوء: لقد انتصرنا يا وسام.. الأرض تبتسم من جديد.
نظر وسام إلى الأفق، حيث بدأ ربيعٌ حقيقي يلوح، وقال: العدالة يا نايا لها أوجه كثيرة، وأجملها هو هذا اللون الأخضر الذي سيغطى قبور الحرب.
عادت الحياة، ليس فقط لأن المحاكم أنصفتهم، بل لأن إرادة ثلاثة شباب آمنوا بأن قضية الأرض لا تقل قدسية عن قضية الإنسان، فصاروا هم والتربة صوتاً واحداً لا يقهر.
