
كل يوم بيوت تهدم على رؤوس ساكنيها، إصابات بالمئات منها البسيطة ومنها الخطيرة، ومنها الذي لا ينفع معها علاج.
توقفت عند خبر قرأته في إحدى المواقع الإخبارية. الخبر كان سقوط صاروخ على إحدى المباني بإحدى المدن القريبة منا. والنتيجة كانت فجوة كبيرة بالسقف، هذا الحادث جعلني العن سلسفيل أبو الحرب وأبو الحياة.
أخبار الحرب هي التي تشغل بال أغلبنا. وحتى أفهم ما الذي يجري؟ ولماذا الحرب طالت رغم لم يكن هناك سبب وجيه لهذه الحرب؟
توجهت لأستاذي السيد كريم عطا الله وهو موجه تربوي يعلم بإحدى الجامعات بالبلاد.
وقد تتلمذت على يديه أصول تربية النشء الجديد. وكيف نجعل من هذا الجيل جيلًا واعيًا مدركًا خطورة الوضع الحالي، من حيث التطور التكنلوجي الذي ليس بالضرورة كل ما ينتج ويصنع يكون صالحًا لخدمة ورفاهية الإنسان، بل توجد أشياء صنعت لتدمير الحياة ونشر الفيروسات التي أصبحت عصية على الطب.
لذلك كان دور الأستاذ كريم عطا الله بأن يرشدنا ويبث الوعي فينا، ويجعلنا واعين مدركين بأن عالمنا أصبح "على كف عفريت" يد تأخذه حيث السلام والرخاء الاقتصادي. ويد تأخذه حيث الظلام والسواد وحروب تطحن البشر وتهدم الحجر. وتقتلع الشجر …
وأكمل حديثه بطلاقة لم أشهدها عند أي محاضر جامعي. فهو الوحيد الذي كنا نذهب لمحاضرته كأننا ذاهبون لحفل غنائي ساهر. وهو الوحيد الذي جعلني أحب النهوض باكرًا وكلِ حب للذهاب للجامعة بقلب منفتح على الحياة.
وقال لي بأن كل الذي يحصل هو تضارب للمصالح بين الرؤوس الكبيرة، كل واحد منهم يريد الفوز بالقطعة الكبيرة من الكعكة.
لكن الهدف يا عزيزتي براء من وراء الحرب الدائرة اليوم بأنها ليست استنزاف لقوات الجيش أو لاقتصاد تلك الدول ولا شيء من هذا القبيل.
إنما البترول هو الذي يطمح به كل رئيس يعتقد بأنه يستطيع سرقة شيء ليس له. لأن البترول هو المحرك الرئيسي لاقتصاد أغلب الدول. ربما هذه الحرب تطول، أو ربما تنتهي بوقت لم نكن نتوقعه. لكن كل الذي نتمناه بأن لا تؤثر تلك الأسلحة على البيئة ولا على الحياة بالمجمل.
خرجتُ من لقاء الأستاذ كريم، وكلماته "بأن العالم على كف عفريت" لا تزال تطنّ في أذني. مشيتُ في الشوارع التي كانت يوماً تضجّ بالحياة، والآن يلفّها حذرٌ وترقب، وكأنَّ الهواء نفسه يخشى الانفجار.
نظرتُ إلى السماء، لم تكن زرقاء كما عهدتها؛ بل كانت مثقلةً بدخانٍ لا يفرق بين حدود الدول ولا بين أيديولوجيات البشر. فكرتُ في "قطعة الكعكة" التي يتصارعون عليها، وفي البترول الذي يُسفك من أجله الدم.. هل يستحقُّ هذا المحرك الاقتصادي أن نُطفئ من أجله محركات قلوبنا؟ وأن نُحيل ربيع الأرض إلى خريفٍ دائم؟
عدتُ إلى غرفتي، أغلقتُ النافذة لعلّي أحجبُ صوت الصفارات، لكنني لم أستطع حجب صوت الضمير في داخلي.
جلستُ أمام أوراقي، وقررتُ أنَّ واجبي كجزءٍ من هذا "النشء الجديد" الذي تعلم على يد الأستاذ كريم، ليس فقط رصد الدمار، بل غرس بذور الوعي.
إنَّ علاج الحرب هو السلام، لكنه ليس السلام الذي يوقّع على ورق المعاهدات والصفقات، بل السلام الذي يبدأ في العقول؛ السلام الذي يدرك أنَّ حماية شجرةٍ واحدة أو إنقاذ طفلٍ من رعبِ قذيفة، هو الانتصار الحقيقي.
رفعتُ رأسي وقلتُ في نفسي: "ربما تطول الحرب، وربما تسرقُ منا الكثير، لكنها لن تسرقَ إيماننا بأنَّ هذه الأرض خُلقت لتُعمر، لا لتُدمر". وبينما كنتُ أكتب كلماتي الأخيرة، تناهى إلى سمعي صوت عصفورٍ غردَ بعيداً فوق ركام المبنى المجاور، وكأنه يلقي عليَّ التحية، ويؤكد لي أنَّ الحياة، مهما بلغت شراسة "العفريت"، ستظلُّ أقوى، وأنَّ فجر السلام آتٍ لا محالة، حتى لو تأخر قليلاً خلف غبار المعارك.
لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا
