logo

الانتخابات.. هل يحسمها وعي الناس أم شعبوية السياسيين؟

23-10-2026 13:31:47 اخر تحديث: 23-10-2026 15:01:03

وصلت المعركة الانتخابيّة البرلمانيّة في إسرائيل محطتها الأخيرة أو كادت. وساعات معدودات قبل أن تتوقّف الأحزاب المشاركة فيها، من المعارضة والائتلاف وتلك التي تشارك للمرة الأولى، عن كلامها المُباح،

المحامي زكي كمال - تصوير: موقع بانيت وقناة هلا

وقبل أن تفتح مراكز الاقتراع أبوابها أمام ملايين المصوّتين من المواطنين العرب واليهود على حدّ سواء، لينتقل الحال من مرحلة الإقناع والتجنيد إلى مرحلة الاقتناع والتصويت، أو بتسميته الدارجة "يوم الناخب". وهو يوم امتحان فيه يكرم المرشّح أو يُهان، تُمنح له الثقة أو عنه تُحجب، وتتجدّد أو ربما تتبدّد. وهو ما ستكشف عنه النتائج الحقيقيّة التي تسفر عنها الانتخابات، وعندها سيتّضح ما إذا أصابت الاستطلاعات كبد الحقيقة، أو كانت قريبة منها. وكلها استطلاعات تكاد تحمل نفس النتائج، والتي تشير إلى أن إمكانيّة حصول أيّ من المعسكرين، معسكر بنيامين نتنياهو واليمين المتشدّد، أي الائتلاف الحاليّ، أو معسكر التغيير بأحزابه الأربعة، "يشار" بقيادة غادي أيزنكوت و"ياحد "برئاسة نفتالي بينيت و"يسرائيل بيتينو" برئاسة أفيغدور ليبرمان و"الديمقراطيّون" برئاسة يائير غولان، وإلى ذلك تضاف الأحزاب العربيّة والتي يتمّ اعتبارها، استمرارًا لسياسات الإقصاء ورفض أيّ من المعسكرين سابقي الذكر إشراكها في صنع القرار، أشبه بكتلة ثالثة تشكّل 22% من مواطني الدولة، وسنعود إلى مآلات ذلك وإسقاطاته المباشرة على الخطوات المطلوبة، بل والضروريّة وحتى الحتميّة من الأحزاب العربيّة. لقد حان الوقت وعلى ضوء هذه الاستطلاعات، للحديث الجاد والتفكير المعمّق بأمرين منهما ما يتعلّق باليوم التالي لهذه الانتخابات، ولا أقصد هنا تشكيل الحكومة، بل تلك الخطوات التي تسبق ذلك، بدءًا من اتّضاح نتائجها مرورًا بإعلانها رسميًّا، وما يلي ذلك من لقاء رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ بممثّلي الأحزاب والكتل للحصول على توصياتها حول المرشح لتشكيل الحكومة القادمة، إضافة إلى ما تكشّف خلال هذه المعركة الانتخابيّة من خبايا وحقائق كانت مستترة على أصعدة مختلفة ومتنوّعة منها العلاقات بين الدولة ومواطنيها العرب والحالة السياسيّة التي تعيشها والتي تؤكّد ابتعادها عن الديمقراطيّة، بل اقترابها بخطى حثيثة نحو سلطة الرجل الواحد وصولًا إلى الفاشيّة السياسيّة والدينيّة والفصل العرقيّ، وتصريحات الحاخام دوف ليئور المرجعيّة الروحيّة والدينيّة لحزب إيتمار بن غفير، أو فتواه الدينيّة، حول جواز سرقة ثمار أشجار الزيتون من الفلسطينيّين باعتبارها تعود أصلًا لليهود وفق وعد إلهيّ، وكون الفلسطينيّين قد استفادوا منها طيلة عقود وربما قرون دون حقّ، دليل ساطع آخر على هذا التوجّه الذي سيتعمّق إذا استمر الائتلاف الحاليّ.

سدّ الطريق أمام نتنياهو من مواصلة ترأُّس حكومة انتقاليّة
الأوّل بين الأمرين وربما في نظر البعض هو الأهمّ باعتباره صاحب التأثير على ما سيأتي، هو ما سيلي ظهور النتائج وتحديدًا من جهة معسكر التغيير، وفي حالة عدم حصول معسكر نتنياهو على 61 مقعدًا، وتحديدًا الخطوات الضروريّة للسيطرة على البرلمان عبر الدعوة لعقد جلسة خاصّة لاختيار رئيس للبرلمان خلفًا للرئيس الحالي من الليكود النائب أمير أوحانا الموالي لبنيامين نتنياهو والذي لعب دورًا كبيرًا وحاسمًا في تمرير كافّة التشريعات التي أرادتها حكومة نتنياهو، بل قاد بعضها خاصّة المتعلّقة بالانقلاب القضائيّ، وتشكيل اللجنة المنظّمة. وهي خطوة لن تتمّ دون مشاركة الأحزاب العربيّة ودون انضمامها، خاصّة وأنها لا تستوجب أيّ اتّفاق ائتلافيّ أو حتى أيّ مفاوضات ائتلافيّة، انطلاقًا من إعلان بعض أحزاب معسكر التغيير أنها تريد حكومة مع أحزاب صهيونيّة فقط، ويجب أن تتمّ دون علاقة بالمشاورات التي يجريها رئيس الدولة مع الأحزاب والكتل المختلفة للتوصية على مرشّح لتشكيل الحكومة، وتشريع قانون جديد يمنع من قدمت أو تقدّم بحقّه لائحة اتّهام جنائيّة خطيرة من إشغال منصب وزير أو نائب في البرلمان، وكم بالحريّ أن يكون رئيسًا للحكومة. وهي خطوة تعني بالأساس سدّ الطريق أمام نتنياهو من مواصلة ترأُّس حكومة انتقاليّة ستمنحه إمكانيّة تحديد الموعد القادم للانتخابات ومواصلة سياساته الحاليّة، أو ربما منع رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ من تنفيذ مخطّطه لتشكيل حكومة وحدة وطنيّة سيكون نتنياهو دون شكّ، وانطلاقًا من تجارب الماضي، وما رشح عن علاقة خاصّة ومميّزة بين الشخصين، الأوّل فيها، وأقول ذلك انطلاقًا من إيمان نتنياهو القاطع أن هذه الانتخابات تعني بالنسبة له البقاء في الحكم أو الموت السياسيّ، وجعله أمام لوائح اتّهامه الخطيرة، مواطنًا عاديًّا يواجه محاكمة ستنتهي ربما إلى إدانته بخيانة الأمانة وربما تلقي الرشوة والزجّ به في السجن. وسيكون ذلك بداية نهاية الليكود كحزب ارتبطت شعبيّته بشعبيّة، أو ربما شعبويّة رئيسه نتنياهو، أو تفتّته إلى أحزاب صغيرة، على ضوء إشارات تلمّح إلى أن بعض قياديي الحزب، خاصّةً أولئك الذين وضعتهم الانتخابات التمهيديّة للحزب، في مواقع متأخّرة وحتى غير مضمونة في قائمة الليكود للكنيست القادمة، يعتبرون أنفسهم في مصاف من يمكنه أن يخلف نتنياهو في منصبه، مع ثقتهم أنه الوحيد القادر على ضمان وحدة الليكود من جهة وضمان تحالفه التقليديّ مع اليمين والمتديّنين، وإلى كل هذا يضاف مشروع قانون لتشكيل لجنة تحقيق رسميّة في هجمات السابع من أكتوبر 2023.

دور هام للأحزاب العربية
في هذا السياق للأحزاب العربيّة على اختلافها، وانطلاقًا من أهميّة هذه الانتخابات خاصّة، وما يمكن أن يليها إذا استمرّ الائتلاف الحاليّ، دور هامّ للغاية ينبثق مباشرة عن اهتمامات وهموم المواطنين العرب في هذه الانتخابات، وفي مقدّمتها تلك اليوميّة والحياتيّة والهامّة وأهمها مواجهة العنف والجريمة، باعتبار ظاهرة انتشار السلاح والجريمة المنظّمة في المدن والقرى العربيّة القضيّة الأكثر إلحاحًا، ترافقها اتّهامات متكرّرة للشرطة بالتقاعس وللحكومة برمّتها بانتهاج سياسات تقصي المواطنين العرب، وتقلّص حتى ميزانيّات مكافحة العنف، وتتقاعس عن توفير الأمن والأمان للمواطنين العرب، وضائقة السكن وهدم البيوت، والتي يتباهى وزير الأمن القوميّ إيتمار بن غفير بهدم أكثر من 5000 منزل عربيّ، ونقص مناطق التوسّع، وسياسات هدم البيوت بحجّة البناء غير المرخّص، وقانون كامينتس، والتشريعات والقوانين والسياسات العنصريّة التي تمسّ الحقوق المدنيّة والقوميّة، بل تُرسّخ التمييز، وفي مقدّمتها قانون القوميّة، والحالة الاقتصاديّة والتشغيليّة في المجتمع العربيّ، وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بارتفاع معدّلات الجريمة والعنف فيه، وميزانيّات السلطات المحليّة والمجتمع العربيّ كلّه، إضافة إلى الشأن السياسيّ العامّ والمتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة والحرب في غزة، وما يحدث في الضفّة الغربيّة من إرهاب المستوطنين. وبالتالي فدور النوّاب العرب على اختلاف انتماءاتهم يجب أن يتّسم بالمسؤوليّة والعقلانيّة، والعمل على الانتقال من مبدأ التمثيل إلى دور التأثير، عبر خطوات مدروسة تشمل التصرّف كمعارضة بنّاءة، لا تكتفي بكونهم كتلة مانعة لمنح حكومة أيزنكوت الثقة، بل تمتدّ إلى تعاون موضوعيّ وبناء علاقات عمل وتعاون معها، تؤدّي إلى تغيير رئيس البرلمان وتعزّز الشراكة السياسيّة للأحزاب العربيّة، وربما خلق صيغة معيّنة تكفل انخراط الأحزاب العربيّة، أو على الأقلّ القائمة الموحّدة برئاسة الدكتور منصور عباس في الحكومة القادمة. وهذا يكفل ويضمن تغيّر المناخ العام، مشاركتهم في الائتلاف الحكوميّ، كجزء لا يتجزّأ منه، وليس ككتلة مانعة آنيّة، ما يضمن تحقيق مصالح ومطالب حيويّة وعادلة للمجتمع العربيّ كلّه، وخاصّة في مجالات تتعلّق بقانون القوميّة وقوانين التنظيم والبناء وقانون كامينيتس. وأؤكّد هنا، وفي حال عدم وصول أيّ من المعسكرين إلى 61 مقعدًا، استحالة تشكيل حكومة برئاسة أيزنكوت دون دعم الأحزاب العربيّة، على الأقلّ في هذه المرحلة، مع الإشارة هنا إلى أن موقف الأحزاب المتديّنة، الحريديم، من أيزنكوت قد يتغيّر من التحفّظ إلى القبول، باستثناء شاس برئاسة أرييه درعي، التي تعتبر الأشدّ تطرّفًا من الناحية السياسيّة، وربما تتداخل في ذلك اعتبارات أرييه درعي الشخصيّة وخاصّة منعه من تولّي منصب وزاريّ في حكومة نتنياهو الحاليّة بقرار من محكمة العدل العليا.

ما كان قبل الانتخابات هو ليس ما سيكون بعدها
ما سبق يزداد أهميّة، بل حتميّة وربما مصيريّة، من باب الإيمان التامّ وبالدليل القاطع، أن ما كان قبل الانتخابات هو ليس ما سيكون بعدها، وأن ما فعلته ونفّذته هذه الحكومة الحاليّة هو المقدّمة لما هو أسوأ إذا ما بقيت لفترة ثانية، وذلك لأسباب موضوعيّة تتعلّق بقضايا عديدة أوّلها تركيبتها الأيديولوجيّة وحاجة نتنياهو الماسّة والملحّة إلى بقاء التركيبة الائتلافيّة الحاليّة واعترافه الضمنيّ، بل العلنيّ باستمرار حزبي اليمين المتطرّفين، الصهيونيّة الدينيّة برئاسة بتسلئيل سموتريتش والذي وقّع الليكود معه اتفاقيّة فائض أصوات وعمل نتنياهو شخصيًّا لتوحيده مع حزب "زهوت" برئاسة موشيه فيغلين، وحزب الوزير إيتمار بن غفير، والذي تراجع نتنياهو عن تصريحه بأنه لن يكون وزيرًا للأمن أو الأمن الداخليّ في الحكومة القادمة إذا ما شكّلها هو، ليعلن يوم الإثنين من هذا الأسبوع أن بن غفير سيكون وزيرًا بارزًا في حكومته، إضافة إلى إعلان رئيس الائتلاف الحكوميّ الحاليّ النائب أوفير كاتس، أن تركيبة الحكومة القادمة برئاسة نتنياهو سيكون مطابقًا للتركيبة الحاليّة، ورغبة نتنياهو في ولاية دستوريّة إضافيّة يتم فيها إتمام الانقلاب القضائيّ ودفن قضيّة السابع من أكتوبر ومسؤوليّته عنها من جهة أخرى، وعوامل أخرى تتعلّق بمحاكمته المتواصلة ومطالبته بوقفها أو الحصول على عفو من رئيس الدولة، ناهيك عن أن إبقاء نتنياهو في سدّة الحكم قد يشكّل من جهة مؤيّديه إعلانًا من رئيس الدولة أنه لا يتحمّل مسؤوليّة السابع من أكتوبر، وربما تخلّصه من ورطة لجنة تحقيق رسميّة يخشاها نتنياهو خاصّة، وربما ومن باب المثال لا الحصر، على ما ينتظر المواطنين العرب في ظلّ حكومة قادمة قد يشكّلها نتنياهو وبنفس التركيبة، تجدر الإشارة إلى فتاوى الحاخام دوف ليئور والتي تجيز الاستيلاء على أملاك ومساكن وحقول الفلسطينيّين والعرب، واعتبار إقامتهم فوق أراضيهم منّةً من اليهود باعتبار هذه البلاد كلّها ملك لليهود وفق الشريعة اليهوديّة. إضافة إلى تصريحات نتنياهو نفسه ومعه بتسلئيل سموتريتش بأنه سينقل نموذج فتية التلال والمزارع الرعويّة من الضفة الغربيّة إلى الجليل والنقب ومجد الكروم مثال حيّ على ذلك، وإعلان الوزيرة ستروك أن البلدات العربيّة تتوسّع أكثر من اللازم ويجب منع اقترابها من جاراتها اليهوديّات، كما هو الحال بين بلدة الجديدة - المكر العربيّة ومدينة عكا، وتباهي بن غفير بهدم آلاف المنازل العربيّة، واستمرار حملات التحريض على الأطبّاء والطلاب العرب وغيرهم من المجموعات في المجتمع العربيّ، واعتبار العرب في إسرائيل الخطر الأمنيّ الأكبر، كما جاء في تصريحات عدد من رؤساء الأحزاب التي تريد نتنياهو رئيسًا للحكومة، وحديثهم عن تهويد الجليل ومنع العرب من إعلان انتفاضة ثالثة عبر مئات آلاف قطع السلاح الموجودة لديهم لأغراض جنائيّة ربما سيحوّلونها، وفق تحذيرات اليمين، إلى أسلحة ضد الدولة.

الهوس الأمنيّ لدى اليهود وتخويفهم من المواطنين العرب
هذا التحذير، والتصريحات التي أشرت إليها والتي تستغلّ وتكرِّس الترهيب والتخويف والهاجس، أو ربما الهوس الأمنيّ لدى اليهود وتخويفهم من المواطنين العرب، لا تأتي من فراغ، فكافّة الاستطلاعات التي تجرى بين المواطنين اليهود، ومنها في الشهر الماضي سبتمبر 2026 تشير إلى أن 40% من اليهود في إسرائيل يعتبرون الأمن والسياسة الخارجيّة العامل الأهمّ (العامل الثاني لدى المواطنين العرب) وبضمنه الأمن القوميّ بمفهومه الواسع، وملخّصه كما تشير الاستطلاعات، تعامل أوساط سياسيّة وإعلاميّة وحزبيّة واسعة مع المواطنين العرب باعتبارهم تهديدًا أمنيًّا خطيرًا، أو طرفًا يحمل ولاءً مزدوجًا، خاصّة في أوقات التصعيد العسكريّ، والخوف من تأثيرهم الانتخابيّ وقدرته على تغيير الخرائط السياسيّة، أو إسقاط الائتلافات الحاكمة، ما يرفع من حدّة التحريض أو محاولات التشكيك في شرعيّة تمثيلهم السياسيّ، ناهيك عن سياسات الحكومة الحاليّة واليمين القائمة على الإقصاء وعدم الثقة، ورفض دمج الأحزاب العربيّة في الائتلافات الحكوميّة، والإصرار على أن تتفوّق الهويّة اليهوديّة للدولة على الطابع الديمقراطيّ، أو دعوات الشراكَة والمساواة، وتأجيج الشعور بالشكّ والخوف، رغم التواجد المشترك واليوميّ في المستشفيات، والجامعات وغيرها، واعتبار أحداث السابع من أكتوبر شمَّاعة يتمّ عليها تعليق هذه التوجّهات والمخاوف، رغم أنها في الحقيقة كانت قائمة وغير جديدة منذ قيام الدولة وقبلها، مع تزايد النظرة الفوقيّة ونظرة التعالي التي كانت في السابق من نصيب فئات معيّنة، لتصبح اليوم العرف السائد في البنيّة الحزبيّة والرسميّة، والتعامل مع الأقليّة العربيّة بفوقيّة والتلويح المستمر بالولاء للدولة اليهوديّة، ومواطنة مشروطة تصل حدّ التهديد بالترحيل والتهجير.

هذا التهديد وإن تكرّر مؤخرًا في غزة عبر برنامج الريفييرا الذي أعلنه الرئيس ترامب عام 2025، وتهديد وزير الأمن يسرائيل كاتس للفلسطينيّين في الضفة الغربيّة بتهجيرهم إذا اندلعت انتفاضة ثالثة، وإعلانه في مقابلة تلفزيونيّة أنه تمّ إعداد مخيّمات مؤقّتة لهم في غور الأردن، إلا أنه ليس بجديد بما يتعلّق بالمواطنين العرب داخل الدولة، بل رافقها منذ وحتى قبل قيامها، حيث أعلن بنيامين زئيف هرتسل عام 1895 أنه يجب إخلاء الأراضي التي يسيطر عليها اليهود من العرب بشكل تدريجيّ عبر ترحيل الضعفاء منهم بهدوء إلى ما خارج حدود الدولة، ومنحهم العمل في دول أخرى، ومنعهم من أيّ عمل في الدولة اليهوديّة، بينما دعم حاييم وايزمن الرئيس الأوّل لدولة إسرائيل فكرة الترحيل الطوعيّ لهم، وطالب القياديّ الصهيونيّ حاييم زنغفيل بتهجير العرب، وأعلن البارون روتشيلد استعداده لتمويل ذلك. وجاءت لجنة "فيل" عام 1937 لتوصي بتهجير 225 ألف عربيّ إلى شرق الأردن، وهو ما وافق عليه دافيد بن غوريون رئيس الوزراء الأوّل لإسرائيل، بل أقام لجنة لذلك، وصولًا إلى زئيف جابوتنسكي، المفكر اليمينيّ اليهوديّ، الذي قال إنه لا يجب إجبار العرب على الرحيل، لكنه لن يأسّف إذا ما حدث ذلك، مقابل تأييد زميله أبراهام شطيرن تهجيرهم عبر تبادل سكانيّ، ويوسف فايس من الصندوق القوميّ اليهوديّ الذي كتب عام 1940 أن الحلّ المثاليّ هو أرض إسرائيل دون عرب، وغيرها، أما بعد عام 1948، فقد اعتبر كثيرون ترحيل العرب الحلّ الأفضل، ولعلّ ذلك ما قاله وزير الماليّة الحالي بتسلئيل سموتريتش أنه يتأسف لأن دافيد بن غوريون لم يتمّ عمليّة ترحيل العرب كلّهم، تمامًا كما حركة "كاخ" وزعيمها مئير كاهانا الذي أعلن ومنذ العام 1971 دعمه لترحيل العرب وتلاه رحبعام زئيفي عام 1988 بفكرة الترانسفير. 

سيطرة التطرّف والشعبويّة والديماغوغيّة وخطاب الشعارات
شرعنة هذه الطروحات واعتبارها مقبولة للتنفيذ أو حتى للنقاش، يؤكّد ما كنت قلته عن سيطرة التطرّف والشعبويّة والديماغوغيّة وخطاب الشعارات، على الحلبة السياسيّة الإسرائيليّة خاصّة منذ السابع من أكتوبر، وتحويل ظاهرة الوعود الانتخابيّة المتطرّفة والشعبويّة إلى جزء من النظام الديمقراطيّ والتنافس الحزبيّ، في الساحة الإعلاميّة والجماهيريّة والسياسيّة الإسرائيليّة، وتكريس توجّهات جديدة تعتمد من جهة إطلاق شعارات ووعود قوية لجذب الناخبين، ثمّ التنازل عنها أثناء المفاوضات الائتلافيّة، والتبرير ضرورات المفاوضات الائتلافيّة والاعتماد على أن الاستقطاب الأيديولوجيّ يبيح هذه الشعارات والطروحات، وأنه يلعب دورًا أكبر في توجيه الناخبين ويمنع محاسبة السياسيّين على وعود اقتصاديّة أو اجتماعيّة محدّدة، ناهيك عن ظاهرة جديدة خاصّة في العقد الأخير بين القيادات السياسيّة للتهرّب من المسؤوليّة الشخصيّة والمؤسّساتيّة عند حدوث أزمات أو إخفاقات، والاعتماد في بعض الأحيان على تكتيكات وألاعيب كسب الوقت وتشتيت الانتباه، وربما إشغال الرأي العام ّبأحداث جديدة، ومتلاحقة بدءًا بحريق الكرمل عام 2010 وعدم محاسبة المسؤولين عنه، ومنهم وزير الداخليّة في حينه إيلي يشاي من حزب شاس المتديّن، ورئيس الحكومة وهو نفسه اليوم بنيامين نتنياهو ومقتل 44 مواطنًا يهوديًّا في منطقة ميرون (الجرمق) في شمال إسرائيل عام 2021، وعنها قال وزير الأمن الداخليّ في حينه أمير أوحانا (رئيس البرلمان اليوم) جملته المشهورة إنه مسؤول لكن مسؤوليّته لا تعني تلقائيًّا أنه متّهم، مدّعيًا ان هناك فصلًا تامًّا بين المسؤوليّة الوزاريّة والرسميّة والتهمة الجنائيّة أو الأخلاقيّة، وكذلك هجمات السابع من أكتوبر 2023، والتي يقول نتنياهو أنه لا يتحمّل مسؤوليّتها، رغم أنه كان رئيسًا للوزراء، ومن وضع سياسة نقل الأموال القطريّة إلى حماس، ورغم كونه عمليًّا القائد الأعلى للجيش والمسؤول عن الموساد والشاباك، بل يتحمّل هؤلاء المسؤوليّة .

ما سبق هو تعبير عن كون العالم، ودولة إسرائيل بضمنه وخاصّة في السنوات الأخيرة، وبشكل بارز في عهد الحكومة الحاليّة، يعيش حالة "تراجع ديمقراطيّ" (Democratic Backsliding) مستمرّة منذ قرابة عقدين، وينتقل إلى ظاهرة الرجل القويّ والقائد الشعبويّ، واستخدام الخطاب ضد النخبة لتعزيز سلطته، ومنهم الطيب أردوغان وفيكتور أوربان المهزوم في هنغاريا، وانتهاج تعيين المقربين وتضييق هامش الحريّات، ومحاولات إضعاف استقلاليّة السلك القضائيّ، والسيطرة على وسائل الإعلام الرسميّة، وغضّ النظر عن مظاهر الفساد، ممّا جعل قطاعات من المواطنين يفقدون الثقة في قدرة النظام الديمقراطيّ على ضمان احتياجاتهم اليوميّة أو محاربة الفساد وغير ذلك، وعدد الوزراء والنواب في البرلمان الذين وجّهت لهم تهم جنائيّة دليل على ذلك، وفي مقّدمتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع التأكيد على المبدأ القضائيّ القائل إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

ختامًا، يتّفق الجميع ربما في إسرائيل، رغم الاختلاف في ترتيب الأولويّات على أن الانتخابات البرلمانيّة القريبة هي نقطة تحول مصيريّة، وأنها انتخابات ستحدّد مهما كانت نتائجها مستقبل إسرائيل لجميع مواطنيها، من العرب واليهود على حدّ سواء، وربما هويّة مستقبل المنطقة بل أكثر، وبالتالي تتطلّب اهتمامًا ووعيًا خاصّين ومميَّزين، خاصّة من المواطنين العرب وأحزابهم ورفع نسبة التصويت، والتوجّه إلى صناديق الاقتراع، والفصل بين الغثّ والسمين، وتبيُّن مواضع الكذب والغوغائيّة عملًا بالقول الشهير لبسمارك: "يكثر الكذب عادةً ، قبل الانتخابات وخلال الحرب وبعد الصيد". وأكثر من ذلك قول جان جاك روسو: رصيد الديمقراطيّة الحقيقيّ ليس في صناديق الانتخابات فحسب، بل في وعي الناس". والوعي مطلوب هذه المرّة أكثر من أيّ وقت مضى، بين الناخبين العرب، فإذا توجّهوا كلّهم، أو على الأقلّ 90% منهم إلى صناديق الاقتراع، فسوف تتغيّر الحكومة الحاليّة، وربما سيبدأ الطريق التصحيحيّ في العلاقات اليهوديّة - العربيّة، من الفرد حتى الجماعة، كي يأخذ العربي في هذه البلاد حقّه في صنع القرار بدلًا من فرضه عليه، من منطلقات دينيّة متطرّفة، ويبتعد العرب عن السياسة الغوغائيّة الكاذبة، الزاخرة بالشعارات الفارغة. إنّ هذه الانتخابات امتحان للوعي العربيّ، فإذا فهم العرب بأن السياسة حنكة، ومن يطلب الحياة عليه أن يتفاعل معها، ومن يطلب المشاركة في قسم الولاء للدولة، بعد انتخابه، عليه أن يفكّر ما مصير شعبه، وأن يعمل من أجله، لأن القيادة تكليف وليس تشريفًا.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]