تصوير حانا طايب
وتوظيفها كأداة استراتيجية لتعزيز مهارات التفكير النقدي، والبحث العلمي، والإنتاج الإبداعي للطلاب في كافة المراحل التعليمية في البلاد.
ويدور الحديث عن برامج وفعاليات عديدة ستفتح خلالها أبواب المكتبة لاستقبال طلاب المدارس من الصف الأول وحتى الثاني عشر في جولات وفعاليات تربوية باللغة العربية؛ لا يكتفي خلالها الطلاب بمشاهدة معالم المكتبة فحسب، بل يلتقون عن قرب بالمخطوطات والصحف القديمة والصور والكتب، ليبدأوا باكتشاف القصص التي تحملها.
وستركز اللقاءات الطلابية داخل أروقة المكتبة على التجارب التفاعلية، حيث يتعمّق الطلاب في شخصية ابن سينا، على سبيل الذكر لا الحصر، من خلال مواكبة المخطوطات والمصادر الأصلية المرتبطة به عن كثب. حيث يتحوّل هذا الاسم الذي تعرفوا عليه في الكتب المدرسية إلى شخصية حية يقتربون من عالمها ومساهمتها الغنية وزمنها؛ فتُطرح الأسئلة البحثية حول ما تكشفه المخطوطة عن شخصية ابن سينا والعلوم في عصره، وكيفية انتقال هذه المعرفة حتى يومنا هذا. وبذلك، لا تبقى المخطوطة وثيقة قديمة تُشاهد فحسب، بل تصبح مدخلاً للبحث والتفكير والاكتشاف.
وتأخذ هذه التجربة أشكالاً متدرجة بحسب المراحل العمرية للطلاب؛ من برنامج "باحثون ومستكشفون" للمرحلة الابتدائية، إلى برنامج "ما هي قصتي؟" للمرحلة الإعدادية، وصولاً إلى برنامج "أفكار غيّرت العالم" للمرحلة الثانوية. وستكون الامكانية متاحة امام المدارس في اختيار جولة تعريفية، أو زيارة تجمع بين الجولة والورشة العملية، ليعود الطلاب إلى مدارسهم محمّلين بأسئلة وأفكار جديدة ورغبة متواصلة في الاستكشاف.
وإذا كانت رحلة الطلاب تبدأ بالسؤال والاكتشاف، فإنها تتوسع مع اليافعين لتصل إلى مرحلة الإنتاج والإبداع، والانتقال من اكتشاف الأفكار إلى صنع انتاجات جديدة. فبالتعاون مع مؤسسة عزرائيلي، وضع قسم التربية اللمسات الأخيرة على برامج تميّز مخصصة لليافعين في المرحلتين الإعدادية والثانوية؛ حيث يكتبون نصوصهم وقصصهم، ويحوّلون أفكارهم إلى رسومات وأعمال فنية، تشمل الوقوف خلف الميكروفون لإنتاج البودكاست الخاص تعبيرا عن افكارهم، وبناء حججهم والخوض في المناظرات، والتعمق في جماليات الخط العربي، إلى جانب البحث في قصص القدس ومصادرها. وكل ذلك بمرافقة مهنية، وبرفقة يافعين آخرين يشاركونهم الفضول والرغبة في الاكتشاف؛ لتكون التجربة نقطة انطلاق تبدأ بتحدٍ صغير وتنتهي نحو اكتشاف موهبة أو شغف جديد.
ولضمان انتقال هذه التجربة التفاعلية إلى الصفوف الدراسية، حرص قسم التربية في المكتبة على تنظيم لقاءات ودورات مخصصة للمعلمين الناطقين بالعربية خلال الأشهر الأخيرة باعتبارهم رأس الهرم في نجاح عملية التعلم، حيث تناولت هذه اللقاءات تعزيز مهارات تدريس النصوص والكتابة كأداة للتفكير إضافة الى تطوير مهارات البحث والتفكير النقدي. ولم تقتصر مشاركة المعلمين على الاستماع فقط، بل خاضوا تجارب عملية في قراءة النصوص والتعامل المباشر مع المصادر الأولية، مع التركيز على كيفية نقل ما عاشوه في المكتبة الوطنية ونقل هذه التجربة وترسيخها داخل صفوفهم الدراسية في المدارس العربية، عبر تحويل النص التاريخي إلى سؤال يثير الفضول والتفكير الذاتي بدلاً من التلقين.
وكان قسم التربية قد نظم خلال شهر أيلول لقاءً استكمالياً خاصاً شارك فيه أكثر من سبعين معلماً ومعلمة في موضوع معرفة البلاد في المرحلة الإعدادية من مختلف المناطق من الشمال إلى الجنوب. واطلع المشاركون على كنوز المكتبة والمصادر الأرشيفية، وشهد الاستكمال محطة مميزة بعنوان "البلاد بعيون المخطوطات" قدمتها الباحثة لينا جبالي، تناولت خلالها مخطوطة "ترجمان الأطباء ولسان الألباء" لتقي الدين الراصد، للتدليل على كيفية تحويل الوثيقة الأرشيفية إلى بداية لقصة وسؤال واكتشاف داخل الصف.
واستكمالاً لهذه المسيرة التربوية، يستعد قسم التربية في المكتبة الوطنية لإطلاق سبع دورات تطوير مهني واستكمال خلال موسم الشتاء القادم، تتنوع موضوعاتها لتشمل أدوات البحث العلمي، التفكير النقدي، أساليب تدريس النصوص، وتطوير المهارات الكتابية وتحويل الأفكار إلى نصوص مكتوبة، بهدف تزويد المعلمين بأساليب حديثة تجعل الطلاب أكثر مشاركة وتفكيراً.
وعن الأثر الذي تركته هذه التجربة الميدانية، عبّرت المعلمة تغريد بدران، معلمة اللغة العبرية والمدنيات والتاريخ في مدرسة الأماني بسخنين، قائلة:"اكتسبتُ من خلال مشاركتي في الاستكمال استراتيجيات نوعية وأساليب فريدة لي كمعلمة ولطلابي، لا سيما في كيفية تحليل النصوص، وتطوير التفكير النقدي، وأساليب القراءة الواعية. وهي مهارات وأدوات نوعية لم نعتد على اكتسابها في استكمالات أخرى شاركنا بها سابقاً".
من جانبه، أشاد الأستاذ عبد الله أبو رميلة، معلم الفلسفة في مدرسة إبداع للعلوم والفنون، ببيئة الحوار وتبادل الخبرات، قائلاً:"ما أدهشني حقاً هو عمق النقاش وطرح الأفكار الذي شهدته جلسات الاستكمال، خاصة وأن المعلمين المشاركين أتوا من خلفيات وتخصصات متنوعة. أنصح الجميع بالمشاركة لما لمسته من أثر في تطوير الأفكار وتجسيدها كتابياً، ناهيك عن تنمية مهارات القراءة والتفكير".
بدورها، أكدت د. مزين نصار، مرشدة المدنيات واللغة العربية في مدرسة البيان الثانوية بكفرمندا، على القيمة المضافة للبرامج قائلة:"هذه المساقات التي شاركنا بها في المكتبة الوطنية تختلف كلياً عن مساقات سائر مراكز التطوير المهني، لذا أنصح بشدة بالمشاركة فيها والقدوم إلى هذا الصرح؛ فكلما ابتعدت عن منطقتك لتتلقى العلم والمعرفة، عدتَ إلى صفك بآليات وأدوات أكثر إثراءً وغنى".



