وما رافقها من إخفاء لجثمانها الطاهر، وما تركته هذه الجريمة من ألم عميق وجرح غائر ومعاناة بالغة في نفوس زوجها وأبنائها وبناتها وذويها، وفي نفوس كل من عرفها وأحبها، بل وفي نفوس أبناء شعبنا الفلسطيني الذين تابعوا بقلوب يملؤها القلق والحزن أخبار اختفائها ساعة بساعة؛
اجتمع وجهاء وأهالي بلدة لفتا في الوطن وبتواصل مع المهجر، وبعد التداول والتشاور، يؤكدون ما يلي:
أولًا: أعرب المجتمعون عن بالغ اجلالهم وتقديرهم وعظيم احترامهم لمواقف آل الرجبي الرفاعي الكرام، ووجهائهم وأبنائهم وأفراد عائلتهم كافة، لما أبدوه في هذه الفاجعة من إيمان راسخ، وصبر عظيم، وضبط للنفس، وحكمة مسؤولة، ومواقف إنسانية وأخلاقية ووطنية مشرفة، فرغم هول المصاب إلا أن آل الرجبي اختاروا طريق الصبر والحكمة، وأسهموا بموقفهم المسؤول في وأد الفتنة، وحقن الدماء حفظاً للسلم الاهلي ومنعاً لاتساع دائرة الألم، وإغلاق الأبواب أمام من يتربصون بأبناء شعبنا ووحدتنا،
وإننا نرى في هذا الموقف صورة مشرقة من صور الإيمان والمروءة والأصالة، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾[البقرة: 155–157]
ثانيًا: يؤكد وجهاء وأهالي لفتا وعائلة عثمان براءتهم الكاملة والصريحة والقاطعة من مرتكب هذه الجريمة البشعة مهما كانت صفته ومهما كان السبب، وما ترتب عليها من أحداث وتداعيات، ويشددون على أن ما جرى هو فعل إجرامي فردي يتحمل مرتكبه وحده كامل المسؤولية عنه، وأكد المجتمعون شجبهم واستنكارهم بأشد وأقسى العبارات لهذه الجريمة البشعة، واكدوا أن دم الحاجة فاطمة الرجبي ليس مباحًا، وأن حرمة جسدها بعد وفاتها لا تقل عن حرمته في حياتها، وأن كرامة أهلها وحرمة مصابهم ليستا موضع مساومة أو انتقاص، واننا نرفض الجريمة كما نرفض كل محاولة لتبريرها أو التستر عليها أو تخفيف مسؤولية مرتكبها تحت أي ذريعة، فالجريمة لا يمحوها نسب، ولا تسترها قرابة، ولا تبررها عشيرة، ولا تخفف من فظاعتها أي مبررات، ولا يمكن أن يكون للقتل مكان بين أهل الدين والخلق والمروءة.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]
وقال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
ثالثًا: أكد المجتمعون أن لفتا بلدة فلسطينية مقدسية عريقة، ذات تاريخ وجذور راسخة، وتضم عائلات وحمائل متعددة، وأن اسم «لفتا» ليس اسم عائلة أو حمولة بعينها، فالانتساب إلى لفتا هو انتساب إلى بلدة وتاريخ وذاكرة وهوية، تمامًا كما يقال «مقدسي» لمن ينتسب إلى القدس أو «خليلي» لمن ينتسب إلى الخليل، رغم تعدد العائلات والحمائل في كل منهما، وعليه، فإننا نرفض رفضًا قاطعًا أي خلط بين لفتا وأهلها وتاريخها وبين جريمة فردية ارتكبها شخص بعينه، حيث قال جل شأنه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ [فاطر: 18]
رابعًا: يؤكد المجتمعون حرصهم الكامل على استكمال الإجراءات العشائرية الشرعية والأصول المتعارف عليها بما يرضي الله و خواطر أهلنا وأحبتنا آل الرجبي الكرام، ويحفظ حقوقهم وكرامتهم، ويصون حرمة الدم، ويغلق أبواب الفتنة والثأر، وإننا نؤمن أن العرف الأصيل لا يقف في وجه الحق، ولا يستر الجريمة، ولا ينتقص من كرامة المظلوم، بل يكون وسيلة لإحقاق الحق، وجبر الخاطر، وتهدئة النفوس، وحماية المجتمع من الانقسام والاقتتال لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]،
خامسًا: يتقدم المجتمعون وجهاء وأبناء بلدة لفتا، وعائلاتها وحمائلها كافة وعائلة عثمان، بأصدق مشاعر العزاء والمواساة إلى زوج المغدورة وأبنائها وبناتها وذويها، وإلى آل الرجبي الرفاعي الكرام، وآل شحادة الكرام، وإلى أهلنا في بيت المقدس، وعموم أبناء شعبنا الفلسطيني، وكل من مسّه هذا المصاب الجلل.
ونؤكد إن مصابكم مصابنا، وحزنكم حزننا، ووجعكم وصل إلى كل قلب فلسطيني، نسأل الله أن يربط على قلوبكم، وأن يمنحكم الصبر والثبات، وأن يعينكم على هذا المصاب العظيم.
وفي الختام إن آل عثمان، ووجهاء وعموم أهالي لفتا في الوطن والمهجر، إذ يجددون استنكارهم المطلق لهذه الجريمة وبراءتهم الكاملة من مرتكبها، يؤكدون أن موقفهم من الجريمة لا يحتمل التأويل ولا المساومة فنحن أمام دمٍ حرام، ونفسٍ بريئة، وحقٍ مصون، وكرامةٍ لا تُمس.
كما واكد المجتمعون بعبارات لا لبس فيها:
-أن الظلم لا يصبح حقًا بالقرابة، والجريمة لا تصبح مقبولة باسم العائلة، والدم الحرام لا تسقط حرمته بأي مبرر .
وقد جدد المجتمعون التأكيد على وقوفهم إلى جانب آل الرجبي الرفاعي وآل شحادة، ومد يد الأخوة والمحبة والمواساة، وتم التأكيد على أن ما يجمع أبناء شعبنا أكبر من جريمة فرد، وأن الحكمة والعدل وحقن الدماء هي الطريق الذي يحفظ كرامة الجميع ويحفظ السلم الاهلي بينهم.
رحم الله الحاجة فاطمة الرجبي رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وجعل قبرها روضة من رياض الجنة، وجبر كسر أهلها وذويها، وألهمهم الصبر والثبات. إنا لله وإنا إليه راجعون " - الى هنا نص البيان .
المرحومة فاطمة الرجبي - صورة شخصية متداولة
