logo

مقال: غابات مصغّرة في المدن ستعمل كمكيفات !

بقلم: أمنون ديركتور - زافيت
23-07-2026 15:04:19 اخر تحديث: 23-07-2026 16:01:41

من المعروف أن الأشجار والمساحات الخضراء تساعد في الحد من ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية. وتُظهر دراسة جديدة أنه من الممكن استخدام مساحات متناهية الصغر – بحجم موقفين للسيارات فقط – لزراعة غابات مصغرة في المدينة، مما يساعد في تبريدها.

shutterstock - Makhh
لا شك في حقيقة أن المدن تتميز بدرجات حرارة أعلى من المناطق الريفية المحيطة بها، فكثرة الإسفلت، والسيارات والمباني الصناعية، وأجهزة التكييف تجعل الحيز الحضري أكثر سخونة بشكل ملحوظ. بسبب المناخ الحار والإشعاع القوي في البلاد، تتفاقم ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية، وقد تكون درجات الحرارة في المدن الكبرى أعلى بـ 3 إلى 9 درجات مئوية مقارنة بالمناطق المحيطة بها. بسبب هذا الواقع، توقفت المساحات الخضراء في العقود الأخيرة عن كونها شعاراً وأصبحت هدفاً تخطيطياً حقيقياً. يبحث المختصون في مجالات التخطيط، والعلوم، والبيئة عن طرق جديدة لإعادة الطبيعة إلى قلب المدينة، من أجل خفض درجات الحرارة، والتعامل مع أزمة المناخ، وتحسين الصحة العامة. والآن، يقترح بحث إسرائيلي جديد اتجاهاً مفاجئاً: إقامة غابات مصغرة، كثيفة، ومركّزة في قلب المدن.

يأتي الإلهام لهذا البحث من اليابان، حيث طور عالم النبات أكيرا مياواكي طريقة للتشجير المكثف، تُعرف اليوم باسم «طريقة مياواكي» (Miyawaki Method). في اليابان، كان الهدف الأصلي من الطريقة هو إعادة التأهيل السريع للنظم البيئية في المناطق التي تضررت من الكوارث الطبيعية، مثل موجات التسونامي والزلازل. على مر السنين، تطور هذا النهج ليصبح أداة فعالة لتسريع استقرار الغابات المحلية بوتيرة عالية، وتعزيز التنوع البيولوجي. بالمقابل، في البلاد وكجزء من البحث، تكتسب الطريقة تفسيراً محلياً وهو جعلها أداة للتعامل مع درجات الحرارة المتطرفة، وأحمال الحرارة، والفيضانات في المدن الكبرى. يقترح الباحثون إقامة غابات مصغرة في جميع أنحاء المدن بمساحة تبلغ حوالي 20 متراً مربعاً فقط، وهو ما يعادل في حجمه موقفين صغيرين للسيارات.

غابات مصغرة كمكيفات طبيعية
أُجريت الدراسة الجديدة من قبل الدكتور ياكير فرايزلر والطالبة شيرا زوهار من معهد فولكاني، بالتعاون مع جامعة تل أبيب والصندوق القومي الإسرائيلي (الكيرن كييمت) الذي تبرع بالأشجار، بهدف فحص ملاءمة مفهوم الغابة المصغرة للظروف المحلية. في إطار التجربة، أُقيم عدد من القسائم المتطابقة في الحجم، حيث زُرعت غابات مصغرة من هذا النوع بمستويات كثافة مختلفة، بهدف مقارنة تأثير الكثافة: بدءاً من حوالي 40 شجرة في القسيمة وحتى حوالي 80 شجرة بكثافة عالية للغاية. كانت نقطة انطلاق الباحثين هي أن الكثافة العالية هي التي تسمح بخلق مناخ محلي يحمي الأشجار من الإشعاع القوي في إسرائيل، ويحافظ على رطوبة التربة، ويشجع على نمو أسرع، بل ويقلل من الحاجة إلى صيانة مستمرة. يوضح فرايزلر قائلاً "أدركنا أن هناك حاجة هنا لمحاولة التفكير بشكل إبداعي حول كيفية تعظيم هذه الغابات المصغرة في خلايا مساحية صغيرة"، ويضيف فرايزلر بأن هناك الكثير من المناطق المهملة أو غير المعالجة في المدن، ويمكن استخدامها لغرض إقامة الغابات.

تعمل الغابات المصغرة التي يتم فحصها في البحث في الواقع، كنوع من «المكيفات» الطبيعية. فهي تبرد بيئتها القريبة، وتقلل من أحمال الحرارة، وتحسن ظروف الحياة في الحيز الحضري – أحياناً ضمن نطاق محدود، ولكن له تأثير حقيقي على الشارع بأكمله. هذا التأثير لا ينبع فقط من الوجود الفعلي للأشجار، بل أيضاً من العمليات البيوفيزيائية التي تشغلها. يشير فرايزلر بأنه بعيداً عن حقيقة أن الأشجار الكثيرة تعمل كنوع من عناصر التظليل، فإن عملية نموها تتضمن نقل المياه من التربة عبر الشجرة إلى الغلاف الجوي. هذا يخلق تبريدًا غير مباشر للبيئة، وهو أمر يصعب قياسه جدًا.

تعزيز طريقة "مدينة الإسفنج"
لا تُستخدم الغابة المصغرة كحل للتظليل وتقليل أحمال الحرارة فحسب، بل كأداة فعالة للتعامل مع الفيضانات – وهي ظاهرة أصبحت أكثر شيوعاً في العقود الأخيرة. التربة المعالجة، الغنية بالمواد العضوية، والغطاء النباتي الكثيف قادرة على امتصاص كميات كبيرة من المياه، وإبطاء تدفقها، وتقليل التعرية وأضرار الجريان السطحي (الأضرار الناجمة عن مياه الأمطار التي تجري على سطح الأرض). وهكذا تندمج الغابات المصغرة في طريقة "مدينة الإسفنج"، التي تُطبّق اليوم في العديد من المدن حول العالم، وتسعى إلى تحويل الحيز الحضري من منطقة "طاردة للمياه" إلى نظام مرن وماص، قادر على التعامل بشكل أفضل مع أحداث المناخ المتطرفة.

يوضح فرايزلر بأنه علينا أن نفهم أن هذه القسائم تتضمن كمية كبيرة من المواد العضوية في التربة، وعندما يتم التخطيط لها بشكل ذكي داخل المدن، يمكنها أن تعمل كأداة فعالة لامتصاص المياه حتى في أحداث الفيضانات. يمكن رؤية هذه الأمور بوضوح في نتائج التجربة، حيث يوضح أنه في التجربة التي تمت تجربتها شوهد بشكل صريح أنه في القسائم التي خضعت لمعالجة مكثفة لم تتكون مياه راكدة، بينما في القسائم المجاورة التي لم تُعالج على الإطلاق تكونت بركة راكدة.

تشير نتائج إضافية ظهرت من التجربة إلى أن معدل نمو الأشجار في القسائم المعالجة كان أعلى بشكل ملحوظ، وصل الى حتى ضعف ونصف المعدل الذي تم قياسه في القسائم التي لم تخضع للمعالجة. ومع ذلك، يؤكد فرايزلر أن الدراسة لا تزال في مراحلها الأولى، وأنه من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات قاطعة. وبحسب قوله، هناك حاجة إلى مجموعة أوسع من الدراسات التكميلية، على مدى فترة زمنية وفي ظروف مختلفة، لترسيخ النتائج وفهم إمكانات الغابات المصغرة في الحيز الحضري بعمق.

تُجرى التجربة في هذه الأيام في منطقة معهد فولكاني، لكنها تثير بالفعل اهتماماً متزايداً حيث توجهت مدن مثل بئر السبع ورمات غان إلى الباحثين بطلب فحص إقامة غابات مصغرة في أراضيها. يقول فرايزلر "ما زلنا في المرحلة التي نحتاج فيها إلى فهم أين هو المكان الصحيح لوضعها، وكيفية تكييف الحل مع المشاكل المحلية"، ويضيف فرايزلر بأنه إذا قمنا بذلك بطريقة مدروسة، يمكن للغابات المصغرة أن تصبح أداة تخطيطية مهمة – أداة تسمح بخلق جزر خضراء صغيرة وكثيفة حتى في المناطق التي كان ذلك فيها مستحيلاً تقريباً، وتساعد في إدارة الجريان السطحي وزيادة التنوع البيولوجي. يتطلب هذا الكثير من المعرفة والتخطيط، لكن الإمكانات هنا حقيقية.

في حال أثبتت طريقة زراعة "الغابات المصغرة" فعاليتها، فستساعد في زراعة الغابات الحضرية، خاصة في المدن التي تكون فيها مساحة الزراعة محدودة، ويقول حجاي يابلوفيتش، مدير قسم البذور والمشاتل في دائرة التشجير بالصندوق القومي الإسرائيلي (كيرن كييمت). ويضيف بأن هذا مثال على تجربة واحدة من بين العديد من التجارب والتعاون الذي يقوم به الصندوق القومي الإسرائيلي (كيرن كييمت) في مجال الغابات من أجل تعزيز وتحسين التشجير في إسرائيل.

أُعدّت هذه المقالة بواسطة زافيت – وكالة الأنباء التابعة للجمعية الإسرائيلية للإيكولوجيا وعلوم البيئة