logo

‘حجر الزاوية أم فخ حزبي؟ القائمة المشتركة وبؤس الخطاب الاستعلائي‘ - بقلم: المحامي شادي الصح

بقلم: المحامي شادي الصح
07-06-2026 18:45:37 اخر تحديث: 07-06-2026 18:46:02

قبل فترة قمت بتحليل قرار قضائي مما أثار غضب زوجة المرحوم إميل حبيبي. ولكنني عرفت بسرعة سبب غضبها واعتذرت على الفور,كانت صادقة في غضبها، وبسرعة تم إعادة المياه إلى مجاريها الطبيعية. اليوم، وأنا أقرأ مقال البروفيسور أسعد غانم،

المحامي شادي الصح - تصوير: موقع بانيت وقناة هلا

أجد نفسي مضطراً لتحليل خطاب آخر، ولكن شتان ما بين غضب صادق نابع من مشاعر إنسانية، وبين خطاب سياسي موجه يفيض بأمور خفية.

خطاب غانم، لماذا حبيبي الآن؟

يبدو مقال البروفيسور أسعد غانم للوهلة الأولى دعوة صادقة لإعادة بناء "القائمة المشتركة"، لكن قراءة سياسية عميقة تحليلية لما وراء السطور تكشف أن المقال لا يهدف إلى لمّ الشمل بقدر ما يمارس نوعاً من المناورة السياسية الفاشلة.

إن غانم يعلم علم اليقين الخارطة السياسية الحالية، ويعرف بدقة الطرف الموافق: الحزب الشيوعي وقادته الحاليون موافقون على المشتركة ومتحمسون لها، ولا يحتاجون إلى مقالات طوال لإقناعهم بها.الطرف المتردد: الحركة الإسلامية (القائمة الموحدة) هي الطرف الذي يضع الشروط المسبقة اليوم أمام إعادة إحياء المشتركة.

كلمة حق في ظاهرها.. وباطنها "سوء نية" للبعثرة

هنا يكمن العوار الأكبر وسوء النية المبيتة،إذا كان هدف غانم "بحسن نية" هو تذليل العقبات وإقناع الطرف المعارض والمتردد (الموحدة) بالعودة، فلماذا اختار إميل حبيبي رمزاً ومهندساً وحيداً للمشتركة؟!

المعادلة المفقودة في نية غانم:

لو كانت النوايا صادقة في بناء جسور الوحدة، لكان الأجدر سياسياً وميدانياً هو استحضار إرث الشيخ عبد الله نمر درويش (الأب الروحي للحركة الإسلامية ومؤسسها)، وهو أول من نادى بكسر العزلة السياسية ودعا إلى الشراكة مع الشيوعيين والقوميين واليساريين. استحضار الشيخ كان سيمثل خطاباً ذكياً، جامعاً، ومقنعاً لتلامذته في "الموحدة" للنزول عن شجرتهم وتجاوز شروطهم.

لكن غانم اختار "بقصد"مساراً استفزازياً؛ لقد قفز فوق إرث الشيخ عبد الله نمر درويش، واختار إميل حبيبي ليفصّل المشتركة على مقاس فكري محدد. كأنه يرسل رسالة غير مباشرة للمعارضين في القائمة الموحدة مفادها: “إن عودتكم للمشتركة ليست شراكة ندّية، بل هي إقرار منكم بهزيمتكم وانتصار متأخر لمدرسة إميل حبيبي السياسية” والمثير يتمنون بأن تنتصر مدرسته،هذه ليست دعوة للوحدة، بل هي وصفة مدروسة لبعثرة المشتركة وضمان عدم قيامها.

المشتركة: مشروع شعب لا صك ملكية حصرية

إن هذا الأسلوب الاستعلائي في الطرح لا يخدم فكرة المشتركة، بل يفخخها من الداخل فهو يحوّل مشروعاً وطنياً جامعاً فرضته إرادة الجماهير العربية بجميع أطيافها إلى صك ملكية حصرية لتيار واحد.

إن محاولة البروفيسور غانم تقديم المشتركة على أنها "اللحظة التاريخية التي تشكل أهم التعبيرات عن انتصار تراث إميل حبيبي" تؤكد سوء المقصد تأميم الإنجاز الجماعي: تجيير نضال جماعي لصالح تيار فكري محدد وإقصاء الشركاء الإيحاء بأن بقية المكونات السياسية من منصور عباس إلى سامي أبو شحادة إنما يدورون في فلك إرث حبيبي، وهو ادعاء يفتقر إلى الدقة السياسية ويسيء إلى خصوصية وهوية كل تيار.

استجرار معارك الماضي.. لمن المصلحة؟

إذا كانت المشتركة هدفاً إنقاذياً للمستقبل، فلماذا احتاج غانم إلى نبش دفاتر الماضي، والحديث المطول عن اتّهامات التخوين، والإقصاء، والسجالات الحزبية الداخلية التي تعرض لها حبيبي داخل أروقة حزبه؟

هل يحتاج مجتمعنا اليوم، وهو يواجه أخطار الوجود والإقصاء والتحريض العنصري، إلى استجرار معارك الستينيات والسبعينيات الحزبية، أم إلى بناء جبهة صمود موحدة؟ الإجابة واضحة: من ينبش الخلافات التاريخية في توقيت حرج كهذا، لا يريد للمشتركة أن تقوم، بل يريد تفكيك المتاح وبعثرة الجهود.

نهاية…

إن من يريد المشتركة حقاً يبدأ بالاعتراف بكل من ساهم في بنائها، ويخاطب الأطراف المعارضة بالرموز التي تحترمها وتثق بها كالشيخ عبد الله نمر درويش.

لذلك يبقى السؤال كاشفاً لخبايا النوايا:

هل كان هدف المقال فعلاً هو الدعوة إلى المشتركة، أم وضع العصي في دولابها؟!

الوقائع تقودنا إلى استنتاج واحد: المقال محاولة واضحة لإقناع القارئ بأن المشتركة ليست سوى تصفية حسابات تاريخية وانتصار متأخر لمدرسة سياسية بعينها على حساب الآخرين. هناك فرق كبير بين من يدافع عن المشتركة كـمظلة وطنية جامعة، وبين من يحولها إلى أداة للمزايدة الفكرية والإقصاء السياسي المبطن بهدف بعثرتها. بناء الوحدة يتطلب حسن النية والاعتراف بأن كل حجر في هذا البناء هو ركن أساسي، وليس هناك حجر واحد احتكر لنفسه حق أن يكون "رأس الزاوية".