عوض دراوشة - صورة شخصية
نحتوا أسماءهم بحروف من عزيمة وإصرار، متجاوزاً صعاب الحياة ليكون شلّالاً متدفّقاً من عطاء لا ينضب، ومثالاً يُحتذى به في العصامية وحب الوطن والعمل الاجتماعي والإعلامي.
البدايات والنشأة: بين المطرقة والقرآن
وُلد عوض دراوشة في مدينة عرابة البطوف في الثاني من رمضان، الموافق للثاني من تشرين الأول/أكتوبر عام 1945م. نشأ في كنف أسرة بسيطة الحال، حيث كان والده يعمل "حجّاراً" في كَسّارة مملوكة للعائلة، يُجَرّح يديه كافحاً ليوفّر قوت يومه عبر تجهيز الحجارة وبيعها "بالتنكة" لأغراض الإنشاء والبناء. وإلى جانب كفاحه المضني، كان الوالد حريصاً على تغذية الروح؛ فكان رجلاً متديناً حافظاً لكتاب الله، أورث نجله القيم النبيلة والصبر على الشدائد.
في المرحلة الابتدائية، برز دراوشة طالباً متفوقاً بتعدّيه مستويات النجاح العادية إلى أفق التميز، غير أن شغفه الأكبر تبلور في مبادراته الاجتماعية وحب الخير؛ فكان دائماً صاحب الخطوة الأولى في تنظيم الفعاليات الفنية والرياضية والمدرسية.
التحدي وتجاوز العقبات: الإصرار على التعلم
رغم نجاحه الباهر في الامتحان النهائي للصف الثامن المؤهل للثانوية، تقاطعت الأوضاع المادية الصعبة لأسرته مع طموحه، وكاد قطار التعليم أن يتوقف لولا التدخل المبارك لجدّه (والد أمه) الذي أوكل لنجله (خال عوض) مهمة تغطية تكاليف دراسته الثانوية. انتقل دراوشة إلى مدينة الناصرة، واستأجر غرفة صغرى ليواصل تعليم، مستكملاً الصف العاشر، قبل أن تجبره ظروف الحياة القاسية على ترك مقاعد الدراسة والتوجه لميدان العمل مبكراً.
النشاط الاجتماعي والسياسي والشغف بالفن
لم تمنع طفولة العمل الصعبة عوض دراوشة من التعبير عن موقفه الوطني والاجتماعي؛ فكان أصغر متظاهر في مسيرة أول أيار (عيد العمال) برفقة الحزب الشيوعي. وعقب ذلك، ساهم بشكل مباشر في تأسيس أول فريق لكرة القدم في بلدة عرابة عام 1966م، وظل حريصاً على المبادرة والتواصل مع المدربين والمعلمين ورعاة النشاط الشبابي.
وفي سبعينيات القرن الماضي، زاوج بين عمله كمحتل لمهنة النجارة وبين عشقٍ جارف للفن، ولا سيما التمثيل المسرحي. كان دراوشة ضمن ثلة من الشباب الشغوفين الذين أدخلوا الفن المسرحي إلى عرابة قبل وصول التيار الكهربائي إليها؛ فكانوا يمثلون على أضواء "اللوكس" وبطاقات شبابية مخلصة (في ظل غياب العنصر النسائي آنذاك).
ولم يقف طموحهم عند الحدود المحلية، بل تواصلوا مع فنانين كبار واستحضروا المخرج المسرحي "فضل سمعان" من بلدة عيلبون ليصقل تجاربهم. قدمت الفرقة عروضاً شائقة في الأعراس والمناسبات الوطنية، وحازت إعجاباً واسعاً من الأهالي، حتى صار كبار السن في عرابة يُحيّونه حتى اليوم بلقب المحبة والإجلال: "أهلاً بالمشخصاتي".
في عام 1972م، ارتبط برفيقة دربه نوال دراوشة، السند والشريكة في المسيرة، والتي امتلكت مواهب متعددة وكانت ولا تزال تشاركه بكل حماس في مساعدة وخدمة طلاب الإعلام والشباب.
من إدارة العمل إلى محراب الصحافة
تدرّج دراوشة في مسيرته المهنية ليغدو مديراً للعمل في إحدى الشركات العربية حتى عام 2000م. ومع مطلع التسعينيات، بدأ شغفه الحقيقي نحو عالم الصحافة بالتبلور، فبدأ يمارسها تطوعاً ومحبةً دون مقابل مادي.
وبحلول عام 2002م، احترف الصحافة رسمياً وأصبح مراسلاً لصحيفة "بانوراما". ورغم أنه لم يكن يملك رخصة قيادة سيارة، إلا أن ذلك لم يكن يوماً عائقاً أمامه؛ بل كان دائماً من أوائل الصحفيين حضوراً في قلب الحدث، يقطع المسافات بشغف وإرادة تُجلّيان هيبة الرسالة الإعلامية.
قام يتوثيق مسيرة السلطة المحلية في عرابة من سنة 1965 الى 2015 اليوبيل الذهبي مع صور للرؤساء، والاعضاء، كما وقام بتوثيق مسيرة كرة القدم في البلدة بكتاب طبع منه الف نسخة ووزعه مجاني.
العطاء السينمائي والتلفزيوني
لم يقتصر حضور عوض دراوشة على التغطية الصحفية، بل تجاوزها إلى الشاشة الفضية؛ حيث شارك في الفيلم العالمي "ملوك وأنبياء" (Of Kings and Prophets) مؤدياً دور "عم الملك شاؤول"، إلى جانب قامات فنية عربية رفيعة يُتقدمهم عميد الفنانين الفلسطينيين مكرم خوري. كما غدا وجهاً داعماً ومحبوباً في العديد من مشاريع وأفلام طلاب السينما العرب، واضعاً خبرته وتاريخه بين أيديهم بكل تواضع ومحبة.
خاتمة: نبض لا ينطفئ
يبلغ عوض دراوشة اليوم 82 عاماً من العمر، غير أن سنين العمر لم تُثنِ عزيمته، ولم تُطفئ جذوة نشاطه؛ فهو ما زال يمارس العمل الصحفي بنشاطٍ حيوي، ودون أي مقابل مادي، مؤمناً بأن الصحافة رسالة حياة ومسؤولية إنسانية، ومصرحاً بابتسامته المعهودة بأنه "أسعد إنسان" لأن أمور حياته تيسّرت بالحب والعطاء ومحبة الناس.
إن سيرة الإعلامي عوض دراوشة هي حكاية إنسانٍ لم ينتظر الظروف لتبتسم له، بل صنع بإرادته ووعيه طريقاً حافلاً بالإنجازات، ليبقى اسماً محفوراً في ذاكرة عرابة والداخل الفلسطيني كرمزٍ للصحفي العصامي، والفنان الأصيل، والمبادِر الذي لا يتعب.








