logo

شطب الأحزاب العربيّة هو التطبيق الفعليّ لقانون القوميّة | بقلم: المحامي زكي كمال

02-10-2026 08:00:42 اخر تحديث: 02-10-2026 09:57:45

"رغم انتهاء الجوانب والخطوات الإجرائيّة فيها، وأقصد هنا قرار لجنة الانتخابات المركزيّة شطب كافّة القوائم والأحزاب العربيّة عن بكرة أبيها. وهو القرار الذي كان متوقّعًا،

المحامي زكي كمال

وإن شمل هذه المرّة إضافات غير مسبوقة منها تصويت رئيس لجنة الانتخابات المركزيّة القاضي نوعام سولبرغ إلى جانب شطب سامي أبو شحادة رئيس حزب التجمّع، وإجماع كافّة الأحزاب اليهوديّة حول قرارات الشطب مع التفاوت من جهة، وقرارات محكمة العدل العليا حول الالتماسات المقدّمة إليها بهذا الصدد، والتي كانت متوقّعة، لتتماشى تمامًا مع موقف القاضي نوعام سولبرغ، حتى يمكن القول إنها جاءت مطابقة تمامًا لمواقفه وتصويته المذكور، إلا أن ما حدث من حيث الجوانب والأبعاد الجوهريّة، هو بمثابة البداية فقط، أو جولة أولى في حرب طويلة، أو المشهد الأوّل في مسرحيّة اعتدنا أن تتكرّر فصولها، لكنّها تزداد خطورة وتتّسع حجمًا، والأمر عبارة عن بالون تجريبيّ يحمل في معانيه ابتداءً من اللحظة خطورة كبيرة باعتباره في الحقيقة وبخلاف المرّات السابقة، خطوة تتجاوز كونها مجرّد حيلة، أو مناورة انتخابيّة أو محاولة لتسجيل موقف ومحاولة لكسب أصوات القاعدة الانتخابيّة لأحزاب اليمين، بل إنها تحمل معاني تتجاوز الحاضر وتتعلّق بالمستقبل، الذي ستحدّده نتائج الانتخابات وتحديدًا هوية الحكومة القادمة والائتلاف الحكوميّ الذي تستند إليه، تتعلّق بتعريف الهويّة السياسيّة والدستوريّة لإسرائيل، وتستوجب وقفة معمّقة وطرح الأسئلة الحقيقيّة حولها من جهة، خاصّة وأنها تتعلّق بمستقبل الدولة وصورتها من جهة أخرى، وما يشمله ذلك من حيث التمثيل البرلمانيّ للمواطنين العرب، رغم أن البعض يستبعد ربما ذلك حاليًّا، مجرّد مشاركتهم في العمليّة الانتخابيّة البرلمانيّة. وبالتالي فإن انتهاء الجوانب الإجرائيّة هو انتهاء فصل واحد لن يكون الأهمّ، بل إن الأهمّ هو ما يجب أن يليه، من حيث الخطوات التي على الأحزاب العربيّة اتّخاذها والوسائل التي عليها اتّباعها وتأثيرات كل ذلك على النشاط السياسيّ للمواطنين العرب وحقّهم المدنيّ والديمقراطيّ الأوّل وهو الانتخاب والترشُّح، بصفتهم أقليّة عرقيّة في دولة تتراوح بين يهوديّة وديمقراطيّة حاليًّا وبين كونها مستقبلًا ربما يهوديّة فقط، وفق ما ستفرزه الانتخابات القريبة، وتحديدًا تشكيلة الائتلاف وهويّة رئيس الحكومة.

أبواب جهنم القضائيّة
في هذا المجال تحديدًا، وأقصد الائتلاف الحكوميّ القادم، والذي ستفرزه هذه الانتخابات إذا ما أُجريَت أصلًا او في موعدها، وهي مصيرية ليس للمواطنين العرب فحسب، بل لليهود أيضًا على كافّة أطيافهم وميولهم وتوجّهاتهم السياسيّة والدينيّة والطائفيّة، فإن ذلك الائتلاف منوطٌ بأمر واحدٍ فقط، وهو عدد أعضاء الكنيست العرب، فإذا وصل عددهم إلى 15 أو 18 نائبًا، فإنني لا استبعد أن يتقدم بنيامين نتنياهو ومن منطلق إدراكه أن أبواب جهنم القضائيّة، سوف تُفتَح عليه في يومه الأوّل خارج مكتب رئيس الوزراء، بدءًا من قضايا الفساد وقضيّة الغوّاصات وقضيّة "قطر جيت" وغيرها من القضايا العالقة والملفّات المفتوحة دون لوائح اتّهام حتى الآن، بعرض سياسيّ غير مسبوق للنوّاب العرب، بغية ضمان بقائه في الحكم، ربما سيشمل مبادرة سياسيّة تتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة، يحاول فيها تقمُّص شخصيّة مناحيم بيغن، وتعهّدات بتقديم ميزانيّات ضخمة للمجتمع العربيّ، إضافة إلى إدراكه أن ائتلافه لأربع سنوات مع العنصريّين أتباع فكر مئير كهانا المتطرّف دينيًّا وسياسيًّا، هو أكبر خطأ في تاريخه السياسيّ، إذ أدّى ذلك إلى عزلة إسرائيل دوليًّا وإقصائها من محافل دوليّة، وضعضعة مكانتها الدوليّة والسياسيّة، خاصة وأنه يدرك تمامًا إمكانيّات اللعبة السياسيّة ويتميَّز فيها، ويستخدم ذلك ليحقّق أهدافًا يبدو بعضها للغير بعيدًا وبعضها الآخر غير ممكن، يدفعه إلى ذلك إيمانه أن عدم استمراره في رئاسة الحكومة يعني أن "البحر من خلفه والسجن من أمامه". وعليه، يجب على النواب العرب والقيادات السياسيّة العربيّة، إجادة فهم اللعبة السياسيّة والابتعاد عن الشعارات التي مسّت بالمجتمع العربيّ، ولم تعد عليه بالفائدة، كما مسّت بالقضيّة الفلسطينيّة ولم تدفعها إلى الأمام، مع الإشارة هنا إلى أنه لو قبلت القيادة الفلسطينيّة حلّ الدولتين في العام 1947، لما حلّ بهذا الشعب ما حلّ به من دمار وتشتُّت ولجوء، ومن هنا أهميّة، بل ضرورة رفع نسبة التصويت في الانتخابات القريبة، والتدفّق إلى صناديق الاقتراع. 

تعبير واضح عن مظاهر ومواقف وتوجّهات وتيّارات كانت قائمة لكنّها خافية
شطب القوائم العربيّة كلها في لجنة الانتخابات المركزيّة، رغم كونها لجنة سياسيّة، ورغم كونه قرارًا غير نهائيّ من حيث الأهميّة والوقع، وبغضّ النظر عن مرّات سابقة، هو التعبير الواضح عن مظاهر ومواقف وتوجّهات وتيّارات كانت قائمة لكنّها خافية، لكن السابع من أكتوبر والطريقة التي تمّ استغلال هجماته والفظائع التي تلتها، من قبل اليمين الإسرائيليّ وحتى المركز، وهو هلاميّ وغير واضح المعالم، فضلًا عن أنه لا يملك الشجاعة السياسيّة لطرح مواقف تشكّل بديلًا عن اليمين المتطرّف والاستيطانيّ، إضافة إلى ضعف اليسار وربما وجوده بالاسم فقط دون الجوهر، يشكّل أفضل انعكاس لاختلاف الرؤى حول هويّة دولة إسرائيل المستقبليّة، والصراع البنيويّ والسياسيّ والقضائيّ وغيره، حول تعريف إسرائيل لنفسها كدولة، وهل هي يهوديّة وديمقراطيّة. أمّا الاحزاب اليمينية فتنظر إلى بعض المواقف السياسيّة للنواب العرب ومنها دولة جميع مواطنيها، أو الدعوة إلى إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وقضيّة القدس، وكأنّها تتناقض مع يهوديّة الدولة، وبالتالي تُفسّر هذه المواقف على أنها مناهضة لليهوديّة ودعم لمنظّمات مسلّحة فلسطينيّة، أو محاولات للمسّ بأمن وصيغة دولة إسرائيل، إضافة إلى أن الأحزاب اليمينيّة تعتبر مطالبة الأحزاب العربيّة والمواطنين العرب، بتطبيق الديمقراطيّة بمعانيها الحقيقيّة والتي تضمن المساواة المدنيّة الكاملة، خطرًا على يهوديّة الدولة. ومن هنا المحاولات لإقصاء صوت المواطنين العرب، وهم قرابة 22% من السكّان، وصياغة المشهد السياسيّ بدونهم؛ أي عبر إبقائهم خارج دائرة التأثير ومواقع صنع القرار كخطوة أولى تليها خطوات أخرى تنبثق عنها، ومنها قيود على فرص العمل والتعليم والتشغيل والتأطّر الاجتماعيّ والمجتمعيّ والمدنيّ، عبر تشريعات بدأت معالمها الأولى تتّضح في عهد الحكومة الحاليّة، ومنها اشتراط الترشيح للانتخابات المحليّة بالاعتراف بإسرائيل دولة يهوديّة، وقرارات حكوميّة تقضي بوقف واقتطاع ميزانيّات مخصّصة للمجتمع العربيّ من منطلقات سياسيّة كما حدث في ميزانيات وزارة المساواة الاجتماعيّة ووزيرتها ماي غولان، التي قرّرت وقف ميزانيّات تطوير المجتمع العربيّ، وتحويلها إلى الوزير اليميني إيتمار بن غفير وزير الأمن القوميّ ومواقفه من المواطنين العرب معروفة، ومن هنا فإن قرار الشطب هذه المرة خاصّة، وبمجرد اتّخاذه في لجنة الانتخابات المركزيّة، يخدم اليمين مرّتين، الأولى منها تسجيل موقف ومحاولة إرضاء قاعدته الانتخابيّة، والثانية وهي في نظر الائتلاف الحاليّ لا تقلّ أهميّة خاصّة على ضوء محاولات الانقلاب الدستوريّ التي تتّبعها الحكومة منذ اليوم الأوّل لولايتها الحاليّة، وتتعلّق بمكانة المحكمة العليا عبر تحوّل ملفّ شطب القوائم إلى ساحة صدام ومنازلة أخرى رئيسيّة بين السلطتين التشريعيّة (عنها تنبثق لجنة الانتخابات المركزيّة) والقضائيّة، والردّ على قرارات المحكمة بهجوم حادّ يشمل اتّهامها باليساريّة والانفصال عن الإجماع الصهيونيّ الذي تجلّى في قرار إجماعيّ للجنة الانتخابات المركزيّة، أو بالقول إنها استطاعت إخضاع محكمة العدل العليا وهزيمتها، وجعلها أكثر تحفّظًا ويمينيّةً، وهو صدام سيغذّي مشاريع القوانين التي تهدف إلى تقليص صلاحيات المحكمة العليا والتي ستواصل الحكومة الحاليّة اتّخاذها إذا عادت إلى استلام مقاليد السلطة بتركيبتها الحاليّة، الحكوميّة والائتلافيّة، وربما الوزاريّة في بعض الوزارات ورئاسة لجان البرلمان (الكنيست). 

زيادة الشعور بالإقصاء والإحباط السياسيّ
وبغضّ النظر عن قرار المحكمة العليا النهائيّ، والذي كان متوقّعًا بجزئيّته، من الخطر بمكان تجاهل التأثيرات العميقة التي تتركها محاولات الشطب المتكرّرة على علاقة المواطنين العرب بالدولة، والتي تتراوح بين تأثيرات وارتدادات سلبيّة مباشرة على المدى القريب، بل ربما الآنيّ الانتخابيّ، ومنها زيادة الشعور بالإقصاء والإحباط السياسيّ، وربما اليأس والشعور بأن اللعبة الديمقراطيّة يتم "تفصيل مقاسها" بشكل مقصود ينتهي إلى إقصائهم، أو أن إسرائيل هي دولة ديمقراطيّة لليهود، ودولة يهوديّة حين يتعلّق التعامل بالمواطنين للعرب. وهذا ما قد يصبّ الماء على طاحونة أولئك الداعين إلى مقاطعة الانتخابات ونسبتهم اليوم بين المواطنين العرب لا تزيد في أحسن الحالات عن عشرة بالمئة، يقودهم الاعتقاد بعدم جدوى الانتخابات، أو صندوق الاقتراع، أو النشاط البرلمانيّ في تغيير الواقع اليوميّ وتحسين مستوى الحياة وتعزيز الحقوق المدنيّة، في ظلّ منظومة حزبيّة تكون الأحزاب العربيّة فيها أقليّة في أحسن الحالات كما تشير المعطيات اليوم، إضافة إلى احتمال أن يعمد بعض المصوّتين العرب بسبب قرارات الشطب، ورغم تغييرها من قبل محكمة العدل العليا، إلى إعادة النظر في أنماط تصويتهم من باب الرغبة في التصويت لحزب ربما يكون جزءًا من ائتلاف مستقبليّ، ويؤثّر ربما في تحصيل الميزانيات العامّة وتحصيل حقوق مدنيّة إضافيّة منها، على سبيل المثال، ميزانيّات خاصّة لمكافحة الجريمة. لكن محاولات الشطب المتكرّرة قد تحمل أيضًا، تأثيرات إيجابيّة على المدى القصير والطويل، منها التعبئة المُضادة، أو ما يمكن وصفه بمشاعر العناد والنكاية الانتخابيّة، خاصّة إذا ما نجحت الأحزاب العربيّة في تحويل محاولات الشطب إلى محرّك لحملاتها الانتخابيّة، بهدف استنهاض الناخبين للتصويت ردًّا على الأحزاب اليهوديّة عامّة، واليمينيّة خاصّةً، بل نكاية بها، بمعنى تحويله إلى سبب لرفع نسبة التصويت وجعل الأصوات العربية قوة حاسمة في قضيّة تشكيل الحكومة القادمة. وهذا لا يتم الا عبر التلاحم وتجاوز الخلافات الداخليّة، ووضع الاختلافات جانبًا والتوحّد أمام التوجّهات التي تمثّلها محاولات الشطب ومنع الأحزاب العربيّة من نشاطها البرلمانيّ. 

الانعزال في كتلة صهيونيّة نقيّة
قلت إن محاولات الشطب قد تؤدّي أحيانًا إلى ردّ فعل معاكس وإيجابيّ ليس ضدّ اليمين فقط، بل ضد الأحزاب اليهوديّة عامّة. وهذا على ضوء ذلك الخيط الواصل بين تكرار محاولات الشطب وبين النتائج الصادرة عن لقاء قادة المعارضة الإسرائيليّة، أو بتسميتها الدارجة، وربما غير الصحيحة، كتلة التغيير، مساء السبت الأخير في منزل النائب يائير لبيد في تل أبيب، وهو لقاء تؤكّد مخرجاته أنه يكمل محاولات الشطب وتوجّهات الإقصاء ومحاولات صياغة الخارطة السياسيّة قبل انتخابات الكنيست الـ26 المقررة في 27 أكتوبر المقبل، عبر خطوات وتصريحات عديدة منها تصريحات غادي آيزنكوت أن القائمة العربية الموحّدة برئاسة الدكتور منصور عباس، لن تكون جزءًا من أيّ ائتلاف حكوميّ مستقبليّ يعتزم تشكيله. ووضعه شروطًا أمام الأحزاب العربيّة منها الاعتراف الكامل بيهوديّة الدولة والخدمة المدنيّة، أو القوميّة، والاعتراف بحماس كمنظّمة إرهابيّة يجب القضاء عليها. وهي ذاتها مبررات رغبة اليمين إخراج الصوت العربيّ من دائرة التأثير والشرعيّة السياسيّة، ما يعني تماهي المعارضة التامّ وغير المشروط، مع المناخ العامّ الذي يقوده اليمين، واعتراف واضح بالعجز والخوف في صفوف المعارضة من مهاجمتها من قِبل نتنياهو بتهمة الاعتماد على العرب، وهو أوّل من أراد النائب منصور عباس وحزبه في ائتلافه، وهو الخوف الذي دفع هذه الأحزاب، بما فيها حزب "الديمقراطيّون" برئاسة يائير غولان إلى عدم التصدّي، كما في السابق، للمطالبة بشطب الأحزاب العربيّة، لكن الأخطر من ذلك هو أن هناك، ورغم محاولات أحزاب الوسط واليسار، إخفاء ذلك، عمليّة تبدو وكأنه تقاسم للأدوار بين اليمين صاحب المطالبة المباشرة داخل لجنة الانتخابات المركزيّة لشطب الأحزاب العربيّة كإجراء دعائيّ موجّه إلى أتباعه من أصحاب المواقف الراديكاليّة الدينيّة والقوميّة والسياسيّة، سعيًا إلى تقليص عدد النواب العرب. وبين أحزاب الوسط الصهيونيّ، والذي، وبدلًا من بناء جبهة ديمقراطيّة عريضة تشمل المواطنين العرب لضمان إسقاط نتنياهو، اختار قادته في لقائهم مساء السبت، الانعزال في كتلة صهيونيّة نقيّة، رغم أن ذلك قد يجعل الشارع العربيّ أمام حالة ربما تؤدّي إلى انخفاض نسبة التصويت، وهو ما سيخدم في النهاية معسكر اليمين، حتى يصحّ في هذا الحال القول إن اليمين يريد استراتيجيًّا، وبحكم أجنداته ومواقفه المتطرّفة، إخراج العرب من دائرة التأثير وصنع القرار، لضمان إعادة انتخاب نتنياهو، بينما يريد المركز واليسار الصهيونيّ إخراج الأحزاب العربيّة سياسيًّا من حسابات الائتلاف الحكوميّ القادم، وتجميع قوى اليمين والوسط المعارض لنتنياهو والاعتماد على الأحزاب الصهيونيّة فقط، وبالتالي فهما معسكران يتكلّمان بنفس اللغة تجاه المواطنين العرب، فضلًا عن نفس توجّهاتهما في الشأن الإقليميّ والسياسيّ، ورفض أيّ حلّ للقضيّة الفلسطينيّة وإقامة أيّ كيان فلسطينيّ كان، بل مواصلة الحرب في غزة والاستيطان في الضفة، والصراع العسكريّ مقابل إيران ولبنان، واعتبار القوة العسكريّة العامل الوحيد الحاسم، وكأن المركز الصهيونيّ يريد منافسة نتنياهو اليمينيّ باستخدام نفس اللغة ونفس العملة، عملة البحث عن الحرب، واعتبار نفسه الحامي لإسرائيل أمنيًّا الذي لا يتورّع عن فتح جبهات قتال تزداد عددًا وتعقيدًا، ما يعني المزيد من الحرب والصراعات والعزلة الدوليّة وآخر تجلّياتها إعلان الحكومة البريطانيّة يوم الثلاثاء من هذا الأسبوع تجميد عشرات صفقات الأسلحة مع إسرائيل، بينما يسعى العالم إلى الابتعاد عن الصراعات العسكريّة كما تشير قرارات حكومات هولندا وبريطانيا وتوجّهات دونالد ترامب في موضوع التفاوض مع إيران وغير ذلك، بل تعزيز القوانين لضمان عدم انخراط الدول في حروب، أو نزاعات عسكرية مباشرة، أو عبر حياد متشدّد يمنع حتى الانخراط في صراعات غير مباشرة تخدم أجندات خارجيّة.

الميل نحو المزيد من الحروب والمواجهات
مقابل هذه الحال في إسرائيل، من ناحية الميل نحو المزيد من الحروب والمواجهات، ورفض الحديث عن السلام مع الجيران، وكذلك مع المواطنين العرب في الداخل، تبرز خصوصيّة نهج معاكس تمامًا يبدو بعيدًا عنا كبعد الثرى عن الثريا، وهو ما كان في سويسرا، التي ينصّ دستورها منذ عام 1848على ممارسة الحياد، وهو مبدأ صار جزءًا أساسيًّا من حياتها، وجعلها تمتنع عن الانحياز لأيّ طرف في الحروب بين الدول الأخرى، وترفض أيّ خطوة تعني انحيازها لطرف دون آخر في أيّ خلاف بين دولتين. ومن هنا جاء رفض السويسريّين مؤخّرًا وبنسبة عالية، مبادرة تهدف إلى تشديد حياد بلادهم، يدعمها اليمين القوميّ، هدفت إلى تشديد مفهوم الحياد، وجعله لا يعني فقط عدم التدخّل المباشر في الحرب، حتى عدم التدخّل غير المباشر، عبر فرض قيود عسكريّة واقتصاديّة على طرف من أطراف نزاع عسكريّ ما، ما اعتبره البعض محاولة لدعم روسيا في حربها ضد أوكرانيا، بواسطة عدم معاقبتها اقتصاديًّا وسياسيًّا. ومعنى ذلك أن السويسريّين لا يزالون متمسّكين بسياسة الحياد ومنع الحروب، التي تهدف إلى الامتناع عن المشاركة العسكريّة، ولكن تسمح فرض عقوبات واتّخاذ موقف على الساحة الدوليّة، كالمشاركة في العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبيّ على موسكو بعد الغزو الروسيّ لأوكرانيا، وهو ما دفع روسيا إلى اتهام سويسرا بالتخلّي عن حيادها من خلال سيرها في ركب العقوبات الأوروبيّة.

 خلاصة القول، ليست محاولات شطب القوائم العربيّة مجرّد تكتيك؛ لجمع الأصوات في صناديق الاقتراع، بل هو "مجسّ اختبار" حقيقيّ لمدى قدرة إسرائيل على استيعاب التعدديّة القوميّة، وحول ما إذا كانت ستختار مسار الديمقراطيّة الليبراليّة الشاملة، أم ستتّجه نحو ديمقراطيّة قوميّة تقصي الخصوم السياسيّين من الأقليّات، كما أنه اختبار متكرّر لمدى قدرة واستعداد الجهاز القضائيّ وتحديدًا محكمة العدل العليا، للتدخّل وإلغاء وتغيير قرارات اتّخذها البرلمان، أو لجان منبثقة عنه، خاصّة وأن هذا يمكن أن يشكّل في يد اليمين، سلاحًا يمنحه شرعيّة مواصلة الانقلاب القضائيّ، وإحدى نتائجه المسّ بالأقليّات والحريّات والمعارضة السياسيّة. أما الحديث عن عدم شملهم في أي ائتلاف مستقبليّ، بذرائع منها الطابع الصهيونيّ، أو عدم إمكانيّة إشراكهم، من قبل اليمين والمركز واليسار اليهوديّ على حدّ سواء، في صناعة قرارات لها أبعاد سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة، فهي إشارة خطيرة إلى دولة تقصي أكثر من عشرين بالمئة من مواطنيها، وترفض اندماجهم لأسباب قوميّة متطرّفة، بل أخطر من ذلك، دولة تريد في الحكومة أحزابًا تكرِّس القوة العسكريّة والتوجّهات الحربيّة، وترفض أيّ حلّ سياسيّ للنزاعات الإقليميّة، وأوّلها النزاع مع الفلسطينيّين، وإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وإرهاب المستوطنين، حتى لو كلّفها ذلك عزلة دوليّة مطبقة؛ أي تكريس السعي إلى الحرب ورفض التوجّهات السلميّة، متناسين قول الرئيس الأمريكيّ الراحل جون كينيدي: "الذين يجعلون الثورة السلميّة مستحيلة، يجعلون الثورة العنيفة حتميّة."