نايف خير
والسؤال الذي يجب أن يواجه الأحزاب العربية بوضوح هو: أين الاستراتيجية؟ وأين المشروع؟ وأين الخطة؟
إذا كان هناك ناخب عربي يتجه إلى أحزاب صهيونية، أو يقرر عدم التصويت أصلًا، فلا يكفي أن نضع المسؤولية على الناخب ونصفه بأنه ابتعد عن قضيته. قبل توجيه اللوم إليه، على الأحزاب أن تسأل نفسها: لماذا فقدنا ثقة جزء من جمهورنا؟
الواقع لا يحتاج إلى خطابات موسمية ولا إلى شعارات انتخابية تتكرر كل أربع سنوات. الناس تريد إجابات حقيقية عن قضايا تمس حياتها مباشرة: الجريمة والعنف، السكن، الأراضي، التعليم، فرص العمل، السلطات المحلية، البنية التحتية، مستقبل الشباب، والمساواة في الحقوق والميزانيات.
أين البرنامج المتكامل؟
ليس برنامجًا من عشرات البنود يُنسى بعد الانتخابات، بل خطة واضحة يعرف المواطن من خلالها ماذا سيعمل النائب، وما الذي يستطيع تحقيقه، وما الذي سيحاسب عليه.
لقد تعب الناس من الخطاب الذي يبدأ قبل الانتخابات بشهر وينتهي في اليوم التالي لإعلان النتائج.
وتعب الناس أيضًا من الصراعات الحزبية، ومن تبادل الاتهامات، ومن تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة شخصية. فالخلاف بين الأحزاب أمر طبيعي في الديمقراطية، لكن عندما تصبح الخلافات سببًا في إضعاف التمثيل العربي، فإن المواطن من حقه أن يسأل: من يدفع الثمن؟
الذي يدفع الثمن هو المواطن.
والأخطر من ذلك أن بعض السياسيين لا يتذكرون الناخب إلا عندما يحتاجون إلى صوته. أما بعد الانتخابات، فتختفي العلاقة، ويعود المواطن إلى مشاكله اليومية وحده.
هذه العقلية يجب أن تتغير.
نحن بحاجة إلى أحزاب تقول للناس بوضوح: هذه أهدافنا، هذه أدواتنا، وهذه نتائجنا.
وإذا فشلنا، سنقف أمامكم ونقول لماذا فشلنا.
هذه هي السياسة التي تعيد الثقة.
أما أن نطالب المواطن بالتصويت بدافع العاطفة أو الخوف أو الانتماء فقط، فهذا لم يعد كافيًا.
الهوية مهمة، والقضية الوطنية مهمة، لكن الهوية وحدها لا تحل أزمة السكن، والشعارات وحدها لا توقف الجريمة، والخطابات وحدها لا تبني مدرسة ولا توفر فرصة عمل.
نحن بحاجة إلى سياسة تجمع بين الهوية والمصلحة، بين الموقف الوطني والعمل البرلماني، وبين الدفاع عن الحقوق وتحقيق الإنجازات اليومية.
وعلى الأحزاب العربية أن تدرك حقيقة بسيطة: الناخب ليس ملكًا لأحد.
صوته ملكه وحده، ومن يريد هذا الصوت عليه أن يكسبه بالعمل، والشفافية، والبرنامج، والإنجاز.
لذلك، بدل أن نسأل لماذا يذهب بعض الناخبين إلى أحزاب أخرى، فلنسأل السؤال الأصعب:
ماذا فعلنا حتى لا يذهبوا؟
ولماذا لا توجد استراتيجية عربية مشتركة في القضايا الكبرى؟
لماذا لا يجلس ممثلو الأحزاب العربية حول طاولة واحدة لوضع خطة طويلة المدى، بعيدًا عن الحسابات الشخصية والحزبية؟
لماذا لا يكون هناك برنامج واضح يتعهد الجميع بالدفاع عنه، مع احتفاظ كل حزب بخصوصيته السياسية والفكرية؟
المطلوب ليس إلغاء الاختلاف، بل إدارة الاختلاف بعقلانية.
المطلوب ليس حزبًا واحدًا بالضرورة، وإنما رؤية واضحة تمنع تبديد القوة السياسية للمجتمع العربي.
إن استمرار الخطاب القديم، والاعتماد على الذاكرة والهوية فقط، قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأحزاب وجمهورها.
والرسالة هنا ليست ضد الأحزاب العربية، بل هي صرخة من أجل أن تعيد النظر في نفسها قبل أن تطلب من الناس إعادة النظر في مواقفهم.
فالانتخابات ليست موسمًا للشعارات؛ إنها لحظة حساب.
والناخب لا يسأل فقط: من أنتم؟
بل يسأل:
ماذا فعلتم؟ ماذا ستفعلون؟ وكيف ستفعلون؟ ومتى سنرى النتائج؟
إذا لم تقدم الأحزاب إجابات مقنعة، فلا ينبغي أن تغضب من الناخب عندما يبحث عن إجابات في مكان آخر.
استعيدوا ثقة الناس قبل أن تطلبوا أصواتهم.
ضعوا استراتيجية قبل أن تطلبوا التفويض.
قدّموا مشروعًا قبل أن ترفعوا الشعارات.
فالمجتمع العربي يستحق أكثر من مجرد معركة انتخابية كل عدة سنوات؛ يستحق مشروعًا سياسيًا واضحًا، وقيادة تُحاسَب، ونوابًا يعرفون لماذا ذهبوا إلى الكنيست وماذا يريدون أن يحققوا للناس" .
