د. مصطفى عبدالقادر - صورة شخصية
تصبح أي خطوة لتفكيك الفصائل المسلحة موضوعاً لتجاذبات معقدة تتجاوز الحدود الوطنية.
وتشير التقارير الميدانية والتحليلات السياسية المستقلة إلى أن طهران، التي أقرت عبر قيادات بارزة مثل إيرج مسجدي بأن الفصائل الإقليمية تمثل خط الدفاع الأول عن مصالحها وأمنها القومي، لن تتخلى بسهولة عن أوراق قوتها الميدانية في العراق. هذا الترابط العضوي بين أجندات النظام الإيراني ومستقبل الفصائل المسلحة يخلق ضغوطاً سياسية وأمنية هائلة تجعل القرار الحكومي الداخلي رهيناً لحسابات الردع الإقليمي، مما يصعب مهمة اتخاذ قرارات حاسمة بمعزل عن التوازنات الخارجية.
الثقل الداخلي واستراتيجيات الاحتواء: بين الإكراه الإقليمي والمصلحة الوطنية
في مقابل الضغوط الإقليمية المتزايدة، تواجه المؤسسات الرسمية في بغداد مأزقاً هيكلياً يتمثل في تغلغل الأجنحة السياسية لتلك الفصائل داخل قبة البرلمان ومفاصل الإدارة الحكومية. هذا الواقع يفرض على صانع القرار العراقي اعتماد سياسات الحذر والاحتواء لتجنب الصدام المباشر الذي قد يهدد الاستقرار الهش.
غير أن استمرار الاعتماد على سياسة التفاهمات المؤقتة يكرس حالة "الدولة الرخوة" التي تعجز عن فرض سلطانها القانوني كاملاً. ومن هنا، تبرز معضلة حقيقية: كيف يمكن تحقيق السيادة الوطنية ومواجهة الضغوط الخارجية في ظل توازن قوى داخلي يمنح الأطراف المرتبطة بالخارج أدوات ضغط تعطّل أي مسار جاد لحصر السلاح؟ إن الإجابة تكمن في قدرة القوى الوطنية على بناء جبهة داخلية صلبة تدرك أن استمرار الوصاية الإقليمية لا يخدم سوى مصالح الخارج على حساب أمن واستقرار المواطن العراقي.
الوعي الشعبي والرفض المجتمعي: درع حماية القرار السيادي في مواجهة الضغوط
أمام عجز التسويات السياسية عن تقديم حلول جذرية، تظل الحاضنة الشعبية والوعي الجمعي هما الرهان الأخير لإحداث التغيير المنشود. فالشعوب التي اكتوت بنار الصراعات والحروب بالوكالة أصبحت أكثر إدراكاً لخطورة استمرار السلاح المنفلت وارتباطه بأجندات إقليمية لا تراعى مصالح الأوطان.
إن الضغط المجتمعي السلمي، المدعوم بخطاب إعلامي وطني ومراكز فكر مستقلة، قادراً على إعادة بوصلة الاهتمام نحو بناء الدولة المدنية الدستورية. وعندما تتحول المطالبة بسيادة الدولة وحصر السلاح إلى عقيدة شعبية عارمة، تتراجع قدرة الأطراف الإقليمية على فرض أجنداتها، وتجد القوى السياسية المحلية نفسها ملزمة بالانحياز إلى خيار المصلحة الوطنية العليا بعيداً عن حسابات المحاور والولاءات العابرة للحدود.
آفاق المستقبل: بين مطرقة الضغوط الإقليمية وسندان الإرادة الوطنية
تقف الدولة العراقية اليوم عند مفترق طرق حاسم يحدد ملامح مستقبلها لعقود قادمة؛ فإما الاستسلام لمعادلات الاستنزاف والضغط الإقليمي المستمر، أو النهوض بقرار وطني شجاع يستعيد هيبة المؤسسات ويفرض سيادة القانون. إن الضغوط الإقليمية وإن كانت تصعب من مهمة الحكومة، إلا أنها لا تعد مستحيلة التخطي متى توفرت الإرادة السياسية الصادقة والدعم الشعبي الواسع.
وفي الختام، فإن معركة استعادة القرار السيادي وحصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية الرسمية ليست مجرد خيار سياسي، بل هي الشرط الوجودي الوحيد لبقاء الدولة العراقية موحدة وقوية، قادرة على حماية مقدرات شعبها والنأي بنفسها عن أتون الصراعات الإقليمية المفتوحة.
