logo

مقال | انضمام سيغالوفيتش للموحدة: بداية قائمة متعددة الأطياف أم خطوة انتخابية منفردة؟

بقلم: منير يوسف قبطي – الناصرة
01-09-2026 13:10:58 اخر تحديث: 02-09-2026 05:08:41

أثار قرار القائمة العربية الموحدة وضع يوآف سيغالوفيتش في المكان الثاني ضمن قائمتها للانتخابات المقبلة نقاشًا يتجاوز شخص المرشح وترتيبه. فالخطوة قد تكون بداية تحول نحو قائمة مدنية متعددة الأطياف،

لكنها قد تبقى مجرد خطوة انتخابية محدودة إذا لم تُستكمل برؤية سياسية واضحة وتمثيل حقيقي للتنوع القائم في المجتمع.
سيغالوفيتش ضابط شرطة متقاعد برتبة لواء، شغل منصب رئيس شعبة التحقيقات والاستخبارات، ثم أصبح عضوًا في الكنيست عن حزب "يش عتيد" ونائبًا لوزير الأمن الداخلي في حكومة بينيت–لبيد. كما تولى مسؤولية تنسيق وتنفيذ خطة "المسار الآمن" لمواجهة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، ضمن القرار الحكومي 549.

وقد حققت الخطة في تلك الفترة نتائج ملموسة، لكن من الخطأ اعتبار ذلك إنجازًا شخصيًا لسيغالوفيتش وحده. فالنتائج تحققت بفضل سياسة حكومية واضحة، وميزانيات مخصصة، وتعاون منظم بين الشرطة والوزارات ومؤسسات إنفاذ القانون. وتكمن أهمية دوره في خبرته وقدرته على تنسيق هذا العمل، لا في الادعاء بأنه استطاع بمفرده خفض الجريمة. فمواجهة العنف لا تعتمد على شخص واحد، مهما بلغت خبرته، بل على حكومة تتبنى القضية وتوفر لها الإرادة السياسية والصلاحيات والميزانيات وأدوات التنفيذ.

من هنا يمكن فهم اختيار الدكتور منصور عباس له في ظل انتشار الجريمة المنظمة وتحولها إلى الخطر الأكثر إلحاحًا في حياة المواطنين العرب. وقد يكون الهدف إعادة هذا الملف إلى مركز القرار إذا شاركت الموحدة في حكومة مقبلة، إلى جانب تعزيز نهج عباس القائم على الشراكة العربية–اليهودية والمشاركة السياسية بدل الاكتفاء بالمعارضة.

لكن وجود سيغالوفيتش في الكنيست لن يكون ضمانًا تلقائيًا لاستعادة الأمن. فنجاحه سيبقى مرتبطًا بموقع الموحدة في الخريطة السياسية، وبمدى استعداد الحكومة المقبلة لاعتماد خطة شاملة لمكافحة الجريمة. أما وجوده نائبًا من دون دعم حكومي وميزانيات وأجهزة تنفيذية ملتزمة، فلن يكون كافيًا لإحداث التغيير المنتظر.

"مجتمع متعدد الثقافات والأديان والهويات"
وأهمية الخطوة لا تقتصر على إدخال مرشح يهودي إلى قائمة عربية، بل في السؤال عما إذا كانت تمثل بداية مشروع سياسي أوسع. فنحن نعيش في مجتمع متعدد الثقافات والأديان والهويات، ولا يكفي أن تنتقل القائمة من تمثيل فئة واحدة إلى ضم شخصية واحدة من فئة أخرى. المطلوب هو بناء إطار سياسي يعكس هذا التعدد بصورة حقيقية، ويضم مسلمين ومسيحيين ودروزًا ويهودًا وغيرهم من المواطنين الذين يتفقون على برنامج مدني واجتماعي مشترك.

لذلك لا ينبغي طرح المسألة بصيغة: لماذا اختير مرشح يهودي بدلًا من مرشح مسيحي أو درزي؟ فالشراكة الحقيقية لا تقوم على استبدال هوية بأخرى، ولا على التنافس بين مكونات المجتمع على مقعد واحد. السؤال الأصح هو: لماذا لا تتسع القائمة لتشمل شخصيات مؤهلة من مختلف الأطياف، بحيث يشعر كل مواطن بأنه شريك في صياغة البرنامج وصنع القرار، لا مجرد ناخب يُطلب صوته يوم الانتخابات؟

إشراك شخصية درزية، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يكون خطوة رمزية أو وسيلة للحصول على أصوات إضافية. فالمجتمع الدرزي يواجه قضايا أساسية تتعلق بالأرض والتخطيط والبناء والتعليم وتطوير القرى والمساواة في توزيع الموارد. كما يطرح تساؤلات متزايدة حول التوازن بين واجبات المواطنة والحقوق التي يحصل عليها في المقابل. ولذلك يستطيع ممثل درزي مستقل ومهني أن يضيف إلى القائمة رؤية وخبرة تخدمان مشروعًا مدنيًا مشتركًا، لا مصالح طائفة واحدة فقط.
وينطبق المبدأ نفسه على المسيحيين وسائر مكونات المجتمع. فالتعددية ليست جمع أسماء من ديانات مختلفة لتزيين القائمة، بل مشاركة فعلية في وضع البرنامج وتحديد الأولويات واتخاذ القرار. وليس المطلوب أن يتحدث كل مرشح باسم طائفته وحدها، بل أن يستفيد من خلفيته وتجربته للعمل من أجل جميع المواطنين.
إذا أرادت الموحدة أن تتحول من قائمة ذات قاعدة عربية إسلامية إلى إطار أوسع، فعليها أن توضح طبيعة هذا التحول. هل ستبقى مؤسساتها وآليات اتخاذ القرار كما هي، مع إضافة مرشحين من خارجها، أم ستفتح أبواب المشاركة الحقيقية أمامهم؟ وهل سيخضع المرشحون الجدد لبرنامج مشترك وقرارات مؤسسات القائمة، أم سيحتفظ كل منهم بمواقفه واستقلاليته السياسية؟

كما يتعين على الموحدة توضيح طبيعة اتفاقها مع سيغالوفيتش: ما البرنامج الذي سيلتزم به؟ وما الدور المتوقع منه؟ وهل يرتبط وجوده بملف الجريمة وحده، أم أنه شريك في صياغة رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة؟
فالمواطن العربي يريد الأمن، لكنه يريد أيضًا الأرض والمسكن، وتطوير التعليم، وفرص العمل، وتقوية السلطات المحلية، وتحسين البنية التحتية وتحقيق المساواة. كما يحتاج إلى موقف مسؤول وواضح من السلام والحقوق المدنية والقومية ومستقبل العلاقات العربية–اليهودية. لذلك لا يجوز اختزال مطالبه في ملف الجريمة، مهما بلغت خطورته.

"النقاش لا يخص الموحدة وحدها"
قد يكون انضمام سيغالوفيتش خطوة سياسية ذكية إذا كان جزءًا من مشروع واضح لبناء شراكة واسعة، لكنه لا يصبح إنجازًا بمجرد الإعلان عنه. قيمته الحقيقية ستُقاس بالبرنامج الذي يحمله وبالنتائج التي يستطيع تحقيقها، لا باسمه أو رتبته السابقة أو موقعه المتقدم في القائمة.

وهذا النقاش لا يخص الموحدة وحدها، بل يضع جميع الأحزاب والقوائم العربية أمام مسؤولياتها. فهل تريد أن تبقى أطرًا مغلقة تخاطب جمهورها التقليدي، أم أنها مستعدة لبناء قوائم واسعة تعكس تنوع المجتمع وتستقطب أصحاب الكفاءة بصرف النظر عن دينهم أو طائفتهم؟ وهل يجري اختيار المرشحين وفق الخبرة والقدرة على الإنجاز، أم وفق الولاء الحزبي والعائلي والتنظيمي؟
من حق الناخب أن يعرف لماذا اختير هذا المرشح، وما الذي يؤهله، وما البرنامج الذي سيلتزم به، وكيف ستتم محاسبته. فالثقة لا تُبنى بالشعارات ولا بوصف كل قرار بأنه «تاريخي»، بل بالشفافية والصدق والإنجاز القابل للقياس.

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل تعرف الأحزاب والقوائم العربية فعلًا، وبصدق، مطالب الشارع والمواطن العربي؟ وهل تدرك أن المجتمع ليس كتلة واحدة، بل مجموعة واسعة من الهويات والتجارب والاحتياجات؟ وكيف يستطيع الناخب أن يثق بها إذا لم تشرح برامجها واتفاقاتها ومعايير اختيار مرشحيها؟
لكن السؤال موجّه إلى الناخب أيضًا: هل نختار ممثلينا بعد قراءة برامجهم ومقارنة كفاءاتهم ومتابعة أدائهم، أم نصوّت وفق الانتماءات الحزبية والعائلية والطائفية الموروثة؟ وهل نحن مستعدون لتغيير موقفنا عندما يفشل من انتخبناه، أم ما زلنا نعيش سياسيًا في جلباب آبائنا، ونمنح أصواتنا لمن اعتدنا التصويت له؟
الناخب الحر لا يرفض سيغالوفيتش لأنه يهودي، ولا يؤيده لأن قيادة الحزب اختارته. كما لا يختار المرشح المسيحي أو الدرزي أو المسلم لمجرد هويته، بل يسأل الجميع: ماذا ستقدمون للمواطنين؟ وما البرنامج الذي يجمعكم؟ وكيف سنحاسبكم؟
فالقائمة المتعددة الأطياف لا تُبنى بتجميع الهويات، بل بتوحيدها حول مشروع سياسي مدني واضح. والديمقراطية الحقيقية تبدأ عندما يتحرر صوت المواطن من التبعية، ويصبح اختياره قائمًا على الكفاءة والبرنامج والإنجاز.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]

 منير يوسف قبطي - صورة شخصية