logo

هل كل خرف هو ألزهايمر؟ قصة الخرف المصحوب بأجسام ليوي الذي أصاب ميكي بيركوفيتش وروبن ويليامز ؟

بقلم: البروفيسور ربيع خلايلة - باحث ومتخصص في علم الشيخوخة وصحة الدماغ
29-08-2026 19:00:03 اخر تحديث: 29-08-2026 19:13:36

كُشف هذا الأسبوع أن ميكي بيركوفيتش، أحد أبرز لاعبي كرة السلة في إسرائيل، يعاني منذ نحو عامين ونصف من الخرف المصحوب بأجسام ليوي. وخلال هذه الفترة، فضلت عائلته إبقاء الأمر بعيدا عن الجمهور،

لكنها قررت أخيرا الحديث عن حالته في فيلم عُرض على القناة 12.

أثار هذا الكشف تساؤلات كثيرة: ما هذا المرض؟ هل يختلف عن ألزهايمر؟ ولماذا يصعب تشخيصه؟

المرض الذي لم يُكتشف إلا بعد وفاة روبن ويليامز: 

في عام 2014، أنهى الممثل الأمريكي روبن ويليامز حياته، بعد أن شُخص بمرض باركنسون وعانى من الاكتئاب والقلق والارتباك. لكن فحص دماغه بعد الوفاة كشف أنه كان يعاني في الحقيقة من الخرف المصحوب بأجسام ليوي، وبدرجة شديدة جدا.

وصفت زوجته حالته بقولها إن الأعراض كانت تظهر وتختفي بصورة محيرة. ففي يوم كان صافيا ومرحا، وفي اليوم التالي يصبح خائفا ومرتبكا. وتحدثت عائلة ميكي بيركوفيتش عن تجربة مشابهة، وقالت زوجته بألم: “إنه مرض لعين وقاس لا يحفظ كرامة المريض”.

ماذا يحدث في الدماغ؟

ينتج المرض عن تراكم بروتين غير طبيعي داخل خلايا الدماغ، مكونا ترسبات تُسمى “أجسام ليوي”. وتؤثر هذه الترسبات على عرقلة عمل مواد كيميائية مهمة للذاكرة والتعلم والحركة والمزاج والنوم.

يُعد هذا المرض من أكثر أنواع الخرف التنكسي شيوعا بعد ألزهايمر، وتشير بعض الدراسات إلى أنه يشكل نحو 4% إلى 10% من حالات الخرف. ومع ذلك، ما زال الوعي به محدودا، حتى لدى بعض العاملين في المجال الصحي.

لماذا يصعب تشخيص المرض الى بعد تشريح الدماغ بعد الموت؟

لأن أعراضه تشبه أعراض أمراض أخرى، مثل ألزهايمر وباركنسون وبعض الاضطرابات النفسية. وقد وجدت دراسة شملت 962 عائلة أن التشخيص تغير خلال مسار المرض في نحو 78% من الحالات، وأن الوصول إلى التشخيص الصحيح استغرق في كثير من الأحيان أكثر من عامين.

في ألزهايمر، يكون ضعف الذاكرة غالبا العلامة الأولى والأبرز. أما في الخرف المصحوب بأجسام ليوي، فقد تبقى الذاكرة جيدة نسبيا في البداية، بينما تظهر أعراض أخرى، أهمها:

* هلوسات بصرية متكررة، مثل رؤية أشخاص أو أشياء غير موجودة.

* تقلبات حادة في التركيز والوعي، إذ يكون المريض صافيا في وقت ومرتبكا بعد ساعات.

* أعراض تشبه باركنسون، مثل بطء الحركة والتصلب والرعشة وصعوبة المشي.

* تحريك الجسم والصراخ أو الركل أثناء النوم، وكأن المريض ينفذ ما يراه في أحلامه.

قد تظهر أيضا أعراض مثل السقوط المتكرر، وانخفاض ضغط الدم، وفقدان حاسة الشم، والاكتئاب واللامبالاة.

لماذا يمكن للتشخيص الصحيح أن ينقذ حياة المريض؟

هذه النقطة مهمة جدا. بعض المصابين بالخرف المصحوب بأجسام ليوي لديهم حساسية شديدة تجاه بعض الأدوية المضادة للذهان، التي قد تُستخدم لعلاج الهلوسات أو الارتباك.

إعطاء هذه الأدوية من دون الانتباه إلى نوع الخرف قد يؤدي إلى تدهور خطير، وفي بعض الحالات إلى مضاعفات تهدد الحياة. لذلك، فإن معرفة نوع الخرف ليست مسألة شكلية، بل أساس لاختيار العلاج الآمن.

كيف يُشخص المرض؟

لا يوجد حتى الآن فحص دم واحد يكشف المرض بصورة مؤكدة. يعتمد التشخيص على الأعراض، والفحص العصبي، وتصوير الدماغ، وأحيانا فحوص خاصة لمنظومة الدوبامين أو فحص النوم.

كلما قدمت العائلة للطبيب وصفا دقيقا للتغيرات في الوعي والحركة والنوم والهلوسات، زادت فرصة الوصول إلى التشخيص الصحيح.

هل يوجد علاج للخرف من الخرف المصحوب بأجسام ليوي؟

لا يوجد حاليا علاج يشفي المرض أو يوقفه، لكن بعض الأدوية قد تخفف أعراض الذاكرة والتفكير والهلوسات. كما يمكن علاج مشكلات الحركة والنوم، ولكن بحذر وتحت إشراف طبيب متخصص.

وتجري أبحاث لتطوير علاجات تستهدف البروتين المتراكم في الدماغ، لكنها لم تصل بعد إلى علاج مثبت.

هل كل خرف هو ألزهايمر؟

لا. كلمة “الخرف” لا تشير إلى مرض واحد، بل إلى مجموعة من الأمراض التي تؤثر في الدماغ والتفكير والقدرة على أداء المهمات اليومية.

من أبرز أنواع الخرف:

* ألزهايمر: يبدأ غالبا بضعف تدريجي في الذاكرة.

* الخرف المصحوب بأجسام ليوي: يتميز بالهلوسات، والتقلبات الذهنية، واضطراب النوم وأعراض باركنسون.

* الخرف الجبهي الصدغي: يؤثر في البداية في اللغة أو الشخصية أو السلوك، وهو النوع الذي شُخص به الممثل بروس ويليس.

* الخرف الوعائي: ينتج عن اضطراب وصول الدم إلى الدماغ، وقد يحدث بعد الجلطات الدماغية.

إذن، ليس كل خرف ألزهايمر. ولكل نوع أعراضه ومساره وطرق التعامل معه.

لماذا يهمنا رفع الوعي؟

تشير الفحوص التي تُجرى بعد الوفاة إلى أن الخرف المصحوب بأجسام ليوي أكثر انتشارا مما تظهره التشخيصات خلال حياة المرضى. وهذا يعني أن كثيرا من الحالات قد تبقى من دون تشخيص صحيح.

عندما يُعتقد أن المرض نادر، يحصل على اهتمام بحثي وتمويل ووعي أقل. لذلك، فإن كشف عائلة بيركوفيتش عن المرض ليس مجرد قصة شخصية، بل خطوة قد تساعد عائلات أخرى على التعرف إلى الأعراض وطلب التشخيص المناسب.

هل يمكن تقليل خطر الإصابة بالخرف؟

لا توجد حتى الآن طريقة مثبتة لمنع الخرف المصحوب بأجسام ليوي تحديدا. لكن الدراسات تشير إلى إمكان تقليل خطر التراجع المعرفي وبعض أنواع الخرف من خلال الاهتمام بصحة الدماغ طوال الحياة.

يرتبط ارتفاع الاحتياطي المعرفي، أي قدرة الدماغ على الاستمرار في العمل رغم التغيرات التي تصيبه، بالتعليم والعمل الذي يتطلب التفكير وممارسة أنشطة ذهنية واجتماعية متنوعة.

كما أشار تقرير طبي عالمي نُشر عام 2024 إلى أن نحو 45% من حالات الخرف قد ترتبط بعوامل يمكن تغييرها أو علاجها، مثل قلة التعليم، وارتفاع ضغط الدم، والسكري، والسمنة، والتدخين، وقلة النشاط البدني، والعزلة الاجتماعية، والاكتئاب، وضعف السمع أو البصر غير المعالج.

لذلك، يُنصح بما يلي:

* ممارسة النشاط البدني بانتظام.

* الاستمرار في التعلم وتنشيط الدماغ.

* المحافظة على العلاقات الاجتماعية.

* علاج ضغط الدم والسكري.

* التوقف عن التدخين.

* فحص السمع والبصر وعلاج أي ضعف فيهما.

* علاج الاكتئاب وعدم تجاهله.

هذه الخطوات لا تضمن منع الخرف، لكنها قد تساعد على تقليل الخطر والمحافظة على صحة الدماغ.

قصتا روبن ويليامز وميكي بيركوفيتش تحملان رسالة واضحة بانه ليس كل خرف هو ألزهايمر. التشخيص الصحيح والمبكر يساعد على اختيار العلاج الآمن، والاستعداد لمسار المرض، وتحسين جودة حياة المريض وعائلته.

لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا

 بروفيسور ربيع فاروق خلايلة - تصوير : جامعة كليفورنيا، سان فرانسيسكو