logo

‘الإجلاء الإنساني من غزة ومسألة البقاء في الأرض‘ - بقلم: صفاء أبو شمسية

بقلم: صفاء أبو شمسية
29-08-2026 12:00:26 اخر تحديث: 30-08-2026 05:40:12

أعلنت فرنسا هذا الأسبوع إجلاء 44 فلسطينياً من قطاع غزة، بينهم علماء وفنانون ومستفيدون من برامج الاستقبال الفرنسية، في عملية قالت إنها جرت في ظروف أمنية ولوجستية معقدة، وفي إطار الجهود الرامية إلى حماية أشخاص

صورة شخصية

ترى أنهم معرضون للخطر، أو إتاحة الفرصة لهم للاستفادة من برامج فرنسية في مجالات الدراسة والثقافة والاستقبال الإنساني.

في ظروف عادية، لن يكون في الخبر ما يدعو إلى أكثر من الترحيب بخروج أشخاص من منطقة تعيش حرباً مدمرة إلى مكان أكثر أمناً، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأشخاص قد يحتاجون إلى العلاج أو استكمال دراستهم أو مواصلة عملهم، أو بأشخاص تربطهم أصلاً صلات بفرنسا من خلال برامج أكاديمية أو ثقافية. فالخروج من منطقة حرب، عندما يكون متاحاً بصورة آمنة ومنظمة، لا يحتاج إلى تفسير سياسي حتى يكون مفهوماً، كما أن إنقاذ الإنسان لا يفترض أن يحمل بالضرورة رسالة تتجاوز الإنسان نفسه.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو العملية الفرنسية أقرب إلى لفتة إنسانية عاجلة ومحدودة منها إلى أي شيء آخر. لا توجد، في المعطيات المعلنة، أسباب كافية لتحويل إجلاء 44 فلسطينياً إلى مقدمة لاستنتاجات تتعلق بتهجير سكان غزة أو بإعادة تشكيل ديموغرافي للقطاع، كما أن استقبال دول أوروبية لأشخاص يواجهون خطراً مباشراً لا يعني في حد ذاته أنها تدفعهم إلى مغادرة وطنهم أو تعمل على إفراغه من سكانه.

لكن الحرب الطويلة تطرح أسئلة أخرى، حتى عندما لا تكون هناك خلفية سياسية للعملية نفسها.

السؤال هنا ليس ما إذا كانت فرنسا تريد تهجير الفلسطينيين، فلا توجد معطيات تبرر هذا الاستنتاج، وإنما ماذا يحدث عندما تستمر الحرب إلى درجة تجعل مجرد الحصول على حياة طبيعية أمراً بالغ الصعوبة، بينما تفتح دول أخرى أبوابها أمام بعض من يستطيعون الخروج؟

فالفلسطيني الذي يغادر غزة ضمن عملية إجلاء إنسانية لا يكون بالضرورة قد اتخذ قراراً بالهجرة، وقد لا يكون يفكر في الهجرة أصلاً. قد يكون كل ما يريده هو أن ينجو من الحرب، أو أن يحصل على علاج غير متاح، أو أن يكمل دراسته، أو أن يجد مكاناً آمناً لأطفاله إلى أن تنتهي الحرب. وليس من العدل أن نحمل هذا القرار الفردي أكثر مما يحتمل، أو أن ننظر إلى شخص خرج من منطقة حرب كما لو أنه اتخذ، بمجرد عبوره الحدود، موقفاً سياسياً من وطنه.

بل إن العكس قد يكون أقرب إلى الواقع: أحياناً لا يغادر الإنسان لأنه لم يعد يريد وطنه، وإنما لأنه لم يعد قادراً على تحمّل الظروف التي يعيش فيها.

لا أحد يستطيع أن يلوم عائلة تبحث عن مكان آمن بعدما فقدت منزلها، ولا يستطيع أن يطلب من مريض أن يرفض العلاج خارج غزة حفاظاً على بقائه فيها، كما لا يمكن أن يُنظر إلى طالب أو باحث أو فنان يجد فرصة لمواصلة حياته خارج القطاع باعتباره مشاركاً في مشروع لتهجيره. هذه قرارات إنسانية في المقام الأول، ويتعين التعامل معها على هذا الأساس.

المشكلة تبدأ في مكان آخر، وتحديداً عندما تستمر الحرب طويلاً، ويصبح الخروج المؤقت إقامة دائمة لأن المكان الذي يفترض أن يعود إليه الإنسان لم يعد قادراً على استقباله.

إنسان فقد منزله، وانقطعت مصادر دخله، وعاش سنوات من الخوف والنزوح، ثم وجد أمامه بلداً يستطيع فيه أن يعمل ويتعلم ويعالج أبناءه ويعيش بعيداً عن القصف، لن ينظر بالضرورة إلى الأمر بالطريقة التي ينظر بها مراقب يجلس بعيداً عن الحرب. بالنسبة إليه، قد لا يكون السؤال: «هل أترك غزة؟»، وإنما سؤالاً أبسط بكثير: «أين أستطيع أن أعيش؟».

وهذا هو الجانب الإنساني الذي ينبغي ألا يضيع وسط النقاش السياسي.

ولهذا فإن عملية الإجلاء الفرنسية، بحد ذاتها، لا تبدو سبباً كافياً للحديث عن تهجير جديد. بل ربما يكون تحميلها هذه الدلالة السياسية أكبر من حقيقتها، ويحول عملية إنسانية يفترض أن تكون محل ترحيب إلى موضوع للشك والريبة من دون دليل واضح.

لكن الترحيب بالإجلاء لا يعني تجاهل السؤال الأكبر الذي تفرضه الحرب.

فكلما طال أمد الحرب أو غابت الخطوات العملية لإعادة الاعمار وبعث الحياة، أصبح من الصعب الفصل بين «الخروج لإنقاذ الحياة» و«البقاء في الخارج لأن العودة لم تعد ممكنة». وليس لأن هناك من يدفع الفلسطيني إلى ذلك بالضرورة، وإنما لأن الظروف نفسها قد تدفعه إليه. وعندما يصبح البيت مهدماً، والعمل غائباً، والمدرسة متوقفة، والمستشفى عاجزاً، والأمن مفقوداً، فإن الحديث عن العودة يصبح أصعب بكثير من الحديث عن حق العودة من الناحية السياسية.

لذلك، فإن أفضل طريقة لمنع تحول الخروج الإنساني إلى تهجير فعلي ليست إغلاق أبواب الدول أمام الفلسطينيين، ولا مطالبة من يواجه الخطر بالبقاء داخله، وإنما جعل العودة خياراً حقيقياً وممكناً عندما تنتهي الحرب.

ولذلك ربما يكون من الخطأ النظر إلى كل فلسطيني يغادر غزة اليوم باعتباره جزءاً من عملية تهجير، تماماً كما سيكون من الخطأ تجاهل الظروف التي يمكن أن تجعل مغادرة غزة، بالنسبة إلى أعداد أكبر من سكانها، خياراً منطقياً في المستقبل.

لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا