(Photo by Stu Forster/Getty Images)
انطلق هذا الشهر أكبر احتفال كروي في العالم، وهو كأس العالم لكرة القدم، أو كما يسميه معظمنا: المونديال. تُقام البطولة لأول مرة في التاريخ في ثلاث دول في وقت واحد – الولايات المتحدة وكندا والمكسيك – ومن المتوقع أن تكون نسخة المونديال ذات المساحة الجغرافية الأوسع على الإطلاق. سيستضيف الملعب الواقع في أقصى الشمال مباريات في فانكوفر، بينما سيكون الملعب الواقع في أقصى الجنوب في مكسيكو سيتي. يفصل بين هاتين المدينتين أكثر من ألف كيلومتر، وأربع مناطق زمنية مختلفة، وظروف مناخية متناقضة. على هذه الخلفية، يبرز تساؤل مثير للاهتمام بشكل خاص: هل يمكن الحديث أساسًا عن ظروف لعب عادلة ومتساوية، في الوقت الذي يواجه فيه اللاعبون واقعًا بيئيًا مختلفًا جدًا من ملعب لآخر؟
ليست هذه هي المرة الأولى التي يمتد فيها المونديال على مساحات شاسعة ويتطلب من المنتخبات المشاركة التعامل مع رحلات سفر طويلة بين مباراة وأخرى. فقد شمل مونديال روسيا عام 2018 ملاعب تفصل بينها مئات بل آلاف الكيلومترات، لكن الجزء الأكبر منها كان متركزًا في المدن الرئيسية في الجزء الغربي من البلاد. كما امتد مونديال البرازيل عام 2014 على مساحات كبيرة، حيث اضطر بعض المنتخبات للتنقل بين مدن شديدة البعد عن بعضها البعض خلال البطولة. ووفقًا لـ إعلان الفيفا، من المتوقع أن يكون المونديال القادم ليس فقط الأوسع انتشارًا جغرافيًا في تاريخ اللعبة، بل سيشمل أيضًا مسافات سفر هائلة، وعبورًا بين عدة مناطق زمنية، وتنوعًا في الظروف المناخية المتغيرة: من الحرارة والرطوبة إلى الارتفاعات العالية والهواء الخفيف (ذو نسبة أكسجين منخفضة).
بطولة واحدة - ظروف لعب متنوعة
المعنى هو أن البطولة ستُقام في ظروف جوية مختلفة تمامًا من مدينة إلى أخرى، وهي فوارق قد تؤثر بشكل مباشر على قدرة اللاعبين وعلى درجة الصعوبة التي سيضطرون لمواجهتها في كل مباراة. ويقول البروفيسور يورام إبشتاين، عضو اللجان الطبية في اللجنة الأولمبية ومنتدى علماء وعالمات المناخ بأنه هناك عدم مساواة واضح هنا، ويضيف بأن اللعب في ظروف مناخية حارة أصعب بكثير من اللعب في ظروف مناخية مريحة، ويؤثر بشكل جوهري على القدرات البدنية والنفسية والمعرفية والصحية. وبحسب تصريحاته، فإن المنتخبات التي ستلعب في كندا ستتمتّع بظروف أكثر راحة بكثير من تلك التي ستضطر لمواجهة الإجهاد الحراري في أماكن مثل دالاس أو أتلانتا – وهي مدن ذات ظروف لعب صعبة للغاية في أشهر الصيف.
ويُعزز هذا التقييم أيضًا بحث نشر قبيل المونديال ويتناول تأثير الظروف المناخية على البطولة، والتي تشير إلى أنه من المتوقع أن تواجه معظم المدن المضيفة إجهادًا حراريًا كبيرًا. وبحسب البحث، من المتوقع أن تشهد 14 مدينة من أصل 16 مدينة مضيفة ظروفًا حارة قد تضر بالأداء أو تهدد صحة اللاعبين والحكام. وقد صُنفت مباريات ما بعد الظهيرة في مدن هيوستن، ودالاس، وميامي، ومونتيري، على أنها تنطوي على مخاطر عالية بشكل خاص، سواء من حيث صحة اللاعبين أو جودة اللعب. وحذّر الباحثون من انخفاض في الأداء البدني، وزيادة في الشعور بالتعب وخطر الإصابة بالجفاف وحتى ضربة الشمس.
تعتمد هذه التحذيرات على آلية فسيولوجية معروفة. ويوضح إبشتاين أنه في حالة الإجهاد الحراري الشديد، يواجه الجسم صعوبة في الحفاظ على التوازن الحراري اللازم للأداء السليم، ويقوم بعمل تراكم للحرارة أكثر مما يستطيع طرده. ويضيف يورام إبشتاين بأنه للحفاظ على درجة حرارة جسم طبيعية، حوالي 37 درجة مئوية، يجب على الجسم أن يطرد إلى البيئة كل الحرارة التي ينتجها أو يمتصها. ويؤكد أن آلية التبريد هذه تتضرر أثناء المجهود البدني، عندما تكون درجة الحرارة والرطوبة مرتفعة، ويصبح من الأصعب طرد الحرارة بسبب الظروف البيئية. والنتيجة، وفقًا لتصريحاته، هي ارتفاع في درجة حرارة الجسم إلى مستويات قد تكون خطيرة، بالإضافة إلى تضرر القدرات الرياضية والذهنية للّاعبين، مما يؤدي إلى تدهور قدراتهم وفهمهم للعبة حتى قبل حدوث ضرر صحي. ويضيف يورام إبشتاين بأنه عندما ترتفع حرارة الجسم إلى 39-40 درجة مئوية، يصبح الأمر خطرًا حقيقيًا، وفي الحالات القصوى قد يؤدي إلى ضربة شمس قد تكون قاتلة.
يثير الوضع الحالي تساؤلات بخصوص المساواة بل والنزاهة التنافسية للبطولة. فإذا لعب منتخب واحد بشكل أساسي في ملاعب تقع في مناطق ذات ظروف أكثر برودة وراحة، بينما اضطر منتخب آخر لمواجهة مباريات في أماكن أكثر حرارة وتحديًا، ينشأ فارق كبير في ظروف اللعب. ويؤكد إبشتاين بأن الجميع يدركون ذلك، وخاصة الرياضيين والاتحادات، ووفقًا لتصريحاته، فإن إحدى الطرق الرئيسية للتعامل مع المشكلة هي من خلال "التأقلم"، وهو تكييف فسيولوجي لبيئة مناخية مختلفة، يهدف إلى إعداد الجسم للظروف القاسية. ويضيف يورام إبشتاين بأنه في مثل هذه الحالات تصل الفرق مسبقًا، أحيانًا قبل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من البطولة، للتأقلم مع الطقس والتدرب فيه. وفي هذا السياق، يشير إبشتاين إلى أن الرياضيين من الدول الحارة، ومن ضمنها إسرائيل، قد يتمتعون بميزة معينة مقارنة باللاعبين من الدول الأكثر برودة، لأنهم معتادون على المنافسة في ظل إجهاد حراري كبير.
كيف تُقام المنافسات في عالم حرارته في تزايد؟
يطرح السؤال عن كيفية إقامة فعاليات رياضية كبرى مثل المونديال في عصر التغير المناخي والاحترار العالمي، وارتفاع درجات الحرارة، وتفاقم الإجهاد الحراري. ويرى إبشتاين أن عالم الرياضة سيُطالَب بإجراء تعديلات عميقة في طريقة إدارة المنافسات، بدءًا من كؤوس العالم والأولمبياد وصولاً إلى الأحداث المحلية مثل المكابيا. ويضيف إبشتاين بأنه ستكون هناك حاجة لتغيير خطط المباريات بحيث تُجرى في ظروف أفضل. يجب تحديث بروتوكولات البطولات، وإجراء المنافسات في أشهر أكثر اعتدالًا وفي دول أكثر راحة، والسماح بأوقات راحة أطول بين مباراة وأخرى، وكذلك أثناء المباريات نفسها. وهذا لا ينطبق على كرة القدم فحسب، بل على جميع الأنشطة الرياضية التي تُقام في الهواء الطلق.
ووفقًا لتصريحاته، تستعد كل من الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية بالفعل للواقع الجديد وتعملان على توزيع إرشادات مهنية بخصوص التعامل مع الحرارة الشديدة. ويشير إبشتاين إلى أنه حتى اليوم، كان يتم تنظيم البطولات بشكل أساسي وفقًا لاعتبارات التوقيت والبث العالمي. ويختتم إبشتاين بأن أحد الأمور التي سيتعين عليهم القيام بها هو تغيير أوقات اللعب وإقامة البطولات ليلًا، لأنه ببساطة لن يكون هناك خيار آخر. فإذا أردنا حماية اللاعبين والحفاظ على مستوى اللعب، يجب علينا إجراء التعديلات اللازمة.
أُعدّت هذه المقالة بواسطة "زافيت" – وكالة الأنباء التابعة للجمعية الإسرائيلية للإيكولوجيا وعلوم البيئة
