logo

‘درس الكرك اليوم.. فلنرمم السور.. لكن مَن يرمم جدار الثقة بيننا؟‘ - بقلم : عماد داود

30-12-2025 16:44:58 اخر تحديث: 31-05-2026 05:30:35

الماء لا يغسل الأوحال وحدها، بل يغسل الغبار عن الأسئلة التي ظنناها مدفونة تحت طبقات من الصمت الطويل!

صورة شخصية

حين انهار جزء من سور القلعة تحت وطأة سيول الكرك، لم يكن الحجر وحده هو الذي سقط؛ سقط وهم كامل عن حصانة التاريخ أمام إهمال الحاضر، وتهاوى صبر كان قد تحول إلى تواطؤ صامت مع القابلية للانهيار!

 لقد كتب الماء فصله بلغة الجيولوجيا والذاكرة معاً، مختاراً ذراع القلعة الأيوبية كرسالة مفادها: إن لم تسمعوا أنين الأرض تحت أقدام الفقراء، فاستمعوا إلى دوي التاريخ وهو ينهار فوق رؤوس الجميع!

هنا، في مدينة عرفت كيف تواجه العدو المرئي عبر القرون، من حصارات صلاح الدين إلى تحديات "رجال الهية" الذين حكموا بالعدل حيث تعثرت الدولة، وصولاً إلى مواجهة التطرف بصلابة الحجر الأصفر؛ وجدت الكرك نفسها في مواجهة عدو غير مرئي. عدو اسمه التأجيل، والترقيع، وثقافة رد الفعل التي تتعامل مع الماء -في بلد يعاني العطش المزمن- كطارئ موسمي وليس كملف سيادي! 

مطلقا، لم يكن الفيضان حدثاً طبيعياً فحسب؛ بل كان بلاغاً مكتوباً بالطين، يفضح صدعاً أعمق في العهد بين المكان وأهله.

على وسائل التواصل، تحولت الصور إلى وثائق اتهام وشهادات وجود: سيارات تغرق في شبر ماء!، حجارة تاريخية تتناثر كقطع دومينو، ووجوه كركية تنظر إلى الكاميرا بنظرة تقول: "هذا المشهد نعرفه وعايناه سابقا". التعليقات نسجت رواية شعبية بلهجة مرة وساخرة: "نغرق كل شتاء وننسى كل صيف"، و"رجال الهية يقهرون الصعاب، لكنهم لا يقهرون فساد العقود"..إلخ. كانت هذه اللغة الجديدة جزءاً من تشريح حي لجسد منهك، يكشف كيف تتحول نعمة المطر في بلد فقير مائياً إلى نقمة بسبب إدارة تتعامل مع المياه كعدو يجب احتواؤه، لا كشريك يجب استثماره.

ومن أعماق الذاكرة، تعود العبارة القديمة كصدى لحظة مؤلمة: "بورك الدم المسفوح يا كرك". لكن اليوم، يعيد التاريخ كتابة نفسه بسائل مختلف. الدم كان ثمن الاختيار في زمن التضحية، والماء أصبح ثمن الغياب في زمن الإدارة. كلاهما سائلان ثمينان يُسفحان في المكان نفسه، لكن الأول صنع أسطورة، والثاني كشف إخفاقاً وعرى عورات. الفرق بينهما هو الفرق بين مجتمع يدفع ثمن قراره، ومجتمع يدفع ثمن غياب القرار.

هذه القصة الكركية ليست محلية، بل هي مرآة مكبرة لوطن بأكمله. فالعاصمة التي تغرق تحت أمطار متوسطة، والمدن التي تتحول إلى بحيرات عند كل منخفض جوي، تشترك في نفس التشخيص: بنية تحتية شاخت قبل أوانها، وتخطيط لم يحترم جغرافيا الأرض، وثقافة مؤسسية تعاملت مع الصرف الصحي كتفصيل هامشي. والإنصاف يقتضي القول إن هذا الإرث ثقيل، فهو تراكم عقود من التخطيط القصير المدى، ولا تحمله حكومة واحدة أو وزير بعينه، حتى لو جاء بحماس الميدان وإرادة التغيير.

الناس في الكرك، كما في كل مكان، لا يطلبون المعجزات. يطلبون البديهي: أن يكون الشارع للمشي لا للسباحة، وأن يكون البيت ملاذاً لا حفرة طينية، وأن تبقى القلعة رمزاً للصمود لا شاهدة على الإهمال. يطلبون تحولاً من ثقافة "إدارة الكارثة" إلى "هندسة الأمان"، ومن "رجال الهية" التقليديين إلى "هية" جديدة تحمل المخطط الهندسي بدل الفأس، والمسؤولية المستمرة بدل الفزعة المؤقتة.

الدرس الكركي الأعمق هو أن الصمود لم يعد كافياً. فالصمود فضيلة دفاعية، أما الهجوم الحقيقي فيتمثل في البناء الذكي الذي يحترم التضاريس ويستبق الأزمات. الماء المسفوح، رغم مرارته، قد يكون البلاغ الأخير الذي يوقظنا إلى حقيقة أن أعظم الحصون لا تُبنى من الحجر وحده، بل من الإتقان في ما لا يُرى. من مجرى ماء يحسب له ألف حساب، ومن صيانة تتم قبل الانهيار، ومن عقل مؤسسي يرى في شبر المياه تهديداً وجودياً، وفي نعمة المطر فرصة يجب استثمارها.

فليُرمم سور القلعة، لكن التحدي الأكبر يبقى ترميم الجدار الذي انهار في نفوسنا: جدار الثقة بأن النظام سيعمل قبل أن يُختبر، وأن كرامة المواطن لا تُصان بالخطب وحدها؛ بل بالشوارع الجافة، والمجاري الفعالة، واحترام متعمد للتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق بين الحضارة والخراب. هذه هي "الهية" العظيمة التي تنتظر رجالها ونساءها الجدد: هية الإتقان في زمن الرداءة، وهية المسؤولية في زمن التبرير. والكرك، بتاريخها الذي يتنفس من كل حجر، لن تقبل بأقل من ذلك.