logo

‘عندما تكون انسانيتنا قاب قوسين‘ - بقلم: اسماء الياس

18-03-2022 13:23:17 اخر تحديث: 18-10-2022 08:40:55

لم يكن معه من حطام الحياة سوى قلب مليء بالمحبة. وقف امام القاضي طلب الإفراج عنه، لأنه بريء من كل التهم، فهو الذي لم يجنِ في حياته سوى بيت صغير


الكاتبة أسماء الياس - صورة شخصية

وحديقة فيها كل أنواع الزهور وزوجة محبة وأولاد مطيعين أوفياء.
ولأنه إنسان محب لوطنه لأبناء هذا الوطن المحطم الذي يحكمه قلة من عديمي الضمير. وهو العامل البسيط الذي يعمل من "الفجر إلى النجر".
 خرج توفيق حتى يتظاهر مع المطحونين من الطبقة الفقيرة التي تعمل من أجل لقمة العيش. كان صوته أعلى من صوت الظلم، لكن للظلم يوجد من يحميه. ما أصعب أن تعيش بمكان الظلم فيه هو المسيطر.
لكن أمام القاضي حاول بقناعاته أن يبرر بأن كل الذي فعله كان من أجل الطبقة العاملة، لكن القاضي لم يكن من الأشخاص الذين يمتلكون قلباً رحيما، قديماً قيل "العدالة لديها قلب رحيم" لكن أين الرحمة؟ في زمن الكل يسعى نحو أطماعه التي لا تنتهي.

نادى عليه القاضي وقف وصدر الحكم بالسجن سنة مع التنفيذ. بكت زوجته، نظر نحو أطفاله خيل له بأن كل ما يحدث مجرد حلم سوف يفيق منه على مستقبل خالي من الظلم ومن وجه القاضي المليء بالندوب، وصوته الذي يشبه صوت السياف عندما ينفذ حكم الاعدام بشخص بريء من كل الذنوب. توقفت خيالاته عندما كان الشرطي يضع بيديه الأصفاد.
ودع عائلته بنظرات كلها ألم ووجع. من يشعر مع المظلوم إلا من كان مثله مظلوم. في عالم كثر فيه المظلومون وفاق عددهم وأصبحوا هم الشريحة الأضعف الذين يعتمد عليهم بالأشغال الشاقة، لكنهم لا ينالون الأجر الذي يستحقونه.
 بعده عن عائلته كسره من الداخل. معاناة لم يشهد لها مثيلاً في حياته كلها، هو الإنسان البسيط الذي يبحث عن حياة بسيطة ووجدها مع عائلته.

وجد توفيق نفسه يغادر القفص برفقة حارسين من الشرطة العسكرية رافقاه إلى زنزانة معتمة فيها الضوء خافت. تذكر تلك الفترة عندما تعرف فيها على زوجته، وكانت سهراتهم يقضونها على ضوء الشموع جو رومانسي بحت. لكن أين ذلك الزمان والمكان من هذا الزمان والمكان الموحش الذي يخلو من الحب والانسانية والاحتواء الذي كان بحاجة إليه في مثل هذا الوقت. جلس بالزاوية بعيداً عن زملائه "بالقاووش" نظر صوب النافذة العالية التي كان يصدر منها ضوء باهت فقد كان المساء قد بدأ ينشر عباءته في هذا الوقت من السنة في فصل الشتاء البارد، الذي يكون فيه الإنسان بحاجة لحضن حبيب يشعر معه بالدفء، لكنه الآن وحيد لا صوت زوجته وهي تدعوه للعشاء، واطفاله الذين يدرسون على ضوء الشموع، بعد أن قطعت عنهم شركة الكهرباء الضوء لأنهم لم يدفعوا الفاتورة. لكن توفيق وعد زوجته بأنه سوف يعمل بوظيفة أخرى حتى يلبي كل طلباتهم.

لكنه اليوم مسجون وتلك القضبان تفصله عن الحرية، بكى توفيق بمرارة كان يود أن يحضن أبناءه ويخفف عنهم تلك المدة الطويلة القاسية التي سوف يقضيها بعيداً عن عائلته الصغيرة، من سيهتم بهم ومن أين سيتدبرون أمورهم، بكى لأن في قلبه غصة لا أحد يعلم مداها سوى نفسه.
لكن أيام السجن طويلة على من يقضيها وراء تلك القضبان التي هي من لون الظلم، وصوت السجان القاسي، الذي كان دائم الصراخ على كل من يخالف قواعد السجن ويسبب بإخلال النظام. غير الظلام الدامس الذي يشعر به وهو هنا بعيد عن أحبائه وناسه وأهل بيته، هي الحرية التي لا يستطيع أحد الاستغناء عنها.

لكن خارج السجن الأيام تمر سريعة تنطوي بشكل يجعلك تتعجب كيف يبدأ الأسبوع وينتهي سريعاً والشهر يمر كأنه لحظة.
وهكذا مرت سنة خرج توفيق قبل أن تكتمل لأن سيرته كانت حسنة طيلة فترة السجن. عاد لبيته لزوجته التي انتظرته طيلة تلك الشهور  الطويلة حافظت على بيتها عملت بالزراعة هي رضية اسم على مسمى، لم تشك الحاجة بل علمت أولادها الاكتفاء بالقليل حتى تمر تلك الأزمة عليهم بالخير.
عاد الزوج توفيق، لم يصدق بأنه عاد لبيته لعائلته التي وقفت معه طيلة فترة سجنه. عاد للحرية التي اقتنصت منه فترة من عمر الزمن، عاد يعمل من جديد ويهتم بعائلته التي هي بحاجة إليه رغم العوز والفقر لكن حياتهم تحسنت بعد فترة أصبح لديهم بيت أفضل وعمل الزوجان على تحسين وضعهما الاقتصادي، فالحب يفعل العجائب عندما تحب تتغير أحوالك للأفضل.
هكذا انتهت قصة توفيق ورضية بعد ذلك وثقت واصبحت مرجعاً لكل وطني حر..