logo

مقال | إسْمُهُ يحيى/ حنّا - بقلم : نمر نمر

19-02-2022 09:14:38 اخر تحديث: 18-10-2022 08:27:16

مازال حمام الموت يُغَيِّبُ حبّات العقد الماسي من مُبدعينا/كُتّاباً وشعراءً، وروّاد الوطن في دروبه المعطاءة، نرجو رجاء عبثيّاً أن يكون آخرهم: أبو الأمين حنّا أبو حنّا،


المرحوم حنا أبو حنا - صورة شخصية

 1928 -2 /2 /2022 ، الرّيناوي الجذور، الحيفاويّ الكرملي الحضور، عطاؤه اخترق الحدود السّياسيّة للوطن شعراً نثراً، نقداً، أدب أطفال واستحضار أعمال أدبيّة لبعض مُبدعينا الذين رحلوا قبله.
نودُّ أن نُقَصِّرَ الطّريق في هذا الزّمن الرّديء برسائلَ موجزة كمّاً ومدرارة كيفاً وَبُعداً، جمع يحيى الوطنَ في بوتقة واحدة دون صَهْر أو قهْر، أو عُهْر، بَلْ بطيبة القروي البسيط السّاذج، دَرَج في بِطاح الوطن صغيراً، مُرافقاً لِأبيه المسّاح بالمعنى الحقيقي الإيجابي، أمّا (المسّاح ) في مفهومنا القروي فهو العطّال البطّال الذي يجوب طُرُقَ وأسابيل القرية (مُكَسْدِراً) يُنَعِّمُ الطّرق التّرابية، رايح جاي ، عَ الفاضي تضييعاً للوقت المهدور، أما يحيانا، يحيى/حنّا، فقد رافق أباه إلى بلدة أسدود وضواحيها، تسلّق شجر الجُمّيز وأكل ثمارها الشّهيّة الصغيرة، وطعمها كطعم التّين، تعلّم مبادئ القراءة والكتابة عند الخطيب( الكُتّاب) في أسدود/أشدود، جوّد ورتّل السّور والآيات القرآنية بطلاقة ورشاقة، مع مدّ حروف العّلّة والإدغام والإدماج والعُنّة، روى لنا في سيرته الذّاتيّة معالِمَ الوطن الغالي، حدّثنا عن بلدة أسدود، المدرسة، السّوق الأسبوعيّة، مسجد الصّحابي الجليل: سلمان الفارسي، ويُطابِق حديثُهُ حديثَ صديقنا المرحوم: عبد الله الزّقوت الأسدودي النشأة، الرّملاوي التّهجير:1923 – 2005، رافقناه إلى السّاحل الجنوبي للوطن مراراً، وكان نِعْمَ المرشد المتطوّع، وتطابق سيرةُ يحيى روايةَ عبد الله (أبوالنّجم)، توارد خواطر ودِقّة تفاصيل وذكريات المكان والزمان، نفس التّفاصيل والآثار والأطلال.
مع مراعاة الخصوصيّات والالتزامات  في ثلاثيّة يحيى: ظِلُّ الغيمة، مَهْر البومة وخميرة الرّماد، يُذّكِّرنا الحدث بثلاثيّة نجيب محفوظ، ورباعيّات الخيّام، وسداسيّة الأيّام السّتة لإميل حبيبي، أبو الأمين يبدأ فصْلَه الأوّل: (اسْمُهُ يحيى) وهذا الاسم العربي ليوحنّا /حنّا المعمدان، سابق السّيد المسيح، عليه السّلام.

التّعايش مع لغتنا بالمطالعة
*في آب اللّهاب قابلتُ أبا الأمين في كرمله الأخضر، وحديث لمجلّة صدى التّربية، عدد: تموز-آب 2000 قال لي:
(أودُّ أن أؤكّدَ لكَ على أهَمّ ما يُمكِن ،أن يُؤسّس ويدعم إنشاءَ سليقة وملكة لُغويّة، وهو التّعايش مع لغتنا بالمطالعة، إنّ التّمكّن من لغة ما يكون عَبْر الممارسة، ولا سبيل لهذه الممارسة إلاّ بالقراءة المُمتعة، وجعل هذه المطالعة جُزءً راسخاً في حياة الطّالب والإنسان بشكل عام.) وأضاف يحيى:
(ولا بُدَّ من همسة في أذن الزّملاء: كيف أنتم والمطالعة؟ وهل يمكن أن تكون ثقافة بلا مطالعة! ثُمّ كيف يُمْكن أن نُشِعَ في طُلابنا حُبَّ المطالعة ونحن لا نكون القدوة! وقالوا فاقد الشّيء لا يُعطيه!)، وتابع يحيى حديثَه لي:
( لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ ظروف شعبنا في هذه الدّولة تجعل حالَ اللغة العربية عسيرة، فهي رغم الاعتراف الرّسمي بها(ألغِيَ الاعتراف بعد قانون القوميّة المشؤوم/ ن، ن)، إلاّ أنّها تُعاني من التّمييز والإهمال، والتّعليم الجامعي لا يُتيح لها أن تتنفّس بِحُرّيّة، فهي تُدرّس عَبْرَ العبريّة... ، والكثيرون منّا لا يُدركون أنّ كرامة اللغة من كرامة شعبها ، وأن عليهم أن يبذلوا  من الجهد ليكون كلامهم عربيّاً لا خليطاً مُبَنْدقاً، بل أنّ كثيرين يعلنون جهلهم وضعفهم من التّمكّن  من لغتهم بشيء من الرّضا عن النّفس.)
*وفي نفس السّياق يُصرح : (ليسأل كل واحد منّا نفسه: كيف أدعم شخصيّاً كرامتي بتكريم لغتي؟، وكمعلّم كيف أستطيع أن أحْدِث تغييراً يُشِعّ على الطّالب حُبَّ المطالعة، حتى لو لم أكن مُعَلِّمَ لغة، وليلتفت المديرون إلى أهميّة هذا الموضوع وكيفيّة تحقيقه في مدارسهم!)

"اقرأوا، اقرأوا اقرأوا"
*وحين سألتُهُ: ما الذي توجّهه للكتّاب والشعراء الشباب؟
-أجاب: (آلة التّعبير الفنّي في الكتابة  هي اللغة، فتمكّنوا منها، ثمّ تعاملوا معها تعاملاً ثوريّاً عن معرفة وليس عن فهلوة، اقرأوا، اقرأوا اقرأوا!، فالأديب يجب أن يكون واسع الثّقافة، مُطّلعاً على الثقافة العالميّة والعِلميّة، جرّبوا وجرّبوا حتى يتحقّق النّضْج، ولا تُسارعوا إلى النّشر، انتظِروا الاخْتمار، ولا تنشروا العويص!)
*ورود وأزهار: يحيى دفع الثّمن الغالي لقاء كلمته الحرّة، اعتقال إداري،خِرّيج معتقلات وسجون: النّاصرة، جلمة العسفاني،، يافا، الرّملة ودامون آل قرمان، وعُرَضَ عليه فيما بعد: أن يُرَقّى من مدير إلى مُفتّش، لتحييده…