logo

مقال | سياسات إسرائيل بين تناسي أخطاء الماضي وتجاهل أخطار المستقبل

بقلم: المحامي زكي كمال
21-07-2021 06:17:10 اخر تحديث: 18-10-2022 08:29:48

لم تكن الردود الإسرائيليّة والعربيّة والفلسطينيّة على تقرير منظّمة العفو الدوليّة " أمنستي" الأخير، الذي اتهم إسرائيل بممارسة الفصل العنصريّ " الأبارتهايد "،

 
المحامي زكي كمال

وقبله تقرير " هيومان رايتس ووتش " – " Human Rights Watch "، وقبله تقرير حركة " بتسيلم " الحقوقيّة الإسرائيليّة، مفاجئة أو جديدة، أو مبتكرة، بل جاءت تكرارًا لما كان متّبعًا في السابق.
وبالتالي كان متوقّعًا هذه المرّة أيضا، عبر ترحيب عربيّ وفلسطينّي وتأييد أوروبيّ صامت وخجول يقابله ردّ إسرائيليّ حادّ لا يقبل المرحليّة، ويرفض التصعيد المتدرّج أو التدريجي أو صعود السلّم درجة تلو أخرى، بل يقفز مباشرة إلى أعلى " درجات الرد "، واستخدام أعتى الأسلحة وأقواها وأكثرها تأثيرًا على العالم عامّة والدول الأوروبيّة، أو " سلاح الرعب "، وهو إلصاق تهمة اللا ساميّة بواضعي التقارير ومؤيديها.
لكنّ هذه الردود التلقائيّة والأوتوماتيكيّة من الطرفين، المؤيّد والمعارض لهذه التقارير، تشكّل في نظري قضيّة جديرة بالدراسة والمراجعة في محاولة للوقوف على تسلسلها التاريخيّ وتطوّرها أو منطلقاتها وأسبابها، رغم أنّ الردّين يعكسان حالة مستمرة بدأَت منذ قيام دولة اسرائيل قوامها استمرار إسرائيل في ممارسة ردودها ومواقفها بصورة تلقائيّة ومستمرّة ومتتاليّة وثابتة ومنهجيّة، واعتبار التقارير المنتقدة لها " عملًا مشينًا " أخلاقيًّا وسياسيًّا يعكس مواقف مسبقة لواضعيها، ويكرّس سياسات دول غير ديمقراطيّة لا حقّ لها في انتقاد إسرائيل الدولة الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط، وصولًا إلى اتهام الواقفين خلف هذه التقارير بمعاداة اللاساميّة واليهود، تقابلها ردود تلقائيّة ومتكرّرة عربيّة وفلسطينيّة وأوروبيّة أحيانًا ملخصها التهليل والتصفيق للتقارير وكأن كتابتها هي الأهم " وكفى الله المؤمنين شر القتال "، دون ردود منهجيّة ودون فحص إمكانيات واحتمالات تنفيذها أو طرق الاستفادة منها .

" استغلال كافة الفرص "
والمنهجيّة في هذا السياق ليست عبارة فارغة، بل إنها تعني أن يتطور الموقف الإسرائيليّ بشكل متواصل، وأن يتم استغلال كافّة الفرص المتاحة فلتغيير الموقف وكسب المزيد من النقاط، وهي قضية يمكن تقسيمها إلى مراحل وفترات زمنيّة على امتداد النزاع الإسرائيليّ الفلسطينّي ابتداءً من قيام دولة إسرائيل عام 1948، عبر محطات أجادت فيها إسرائيل استغلال الظروف الدوليّة لتحسين المواقف وتغيير التوجّهات الدوليّة وتجيير الأحداث التاريخيّة المتتاليّة لصالح نزع الشرعيّة عن كلّ انتقاد لإسرائيل، مقابل الركون العربيّ والفلسطينيّ والعالميّ إلى " الكلام المعسول والتقارير التي صيغت بلغة حادّة "   وصولًا إلى حالة بدايتها اعتماد إسرائيل على الأمم المتحدة والشرعيّة الدوليّة  منذ العام 1948 وحتى العام 1967 وربما النصف الأول من سبعينيّات القرن الماضي وتحديدًا العهد البائد للاءات الخرطوم، ومواصلة الادعاء أن العالم العربيّ يريد إبادة إسرائيل، ولا يقبل بوجودها، ولا يعترف بحدوها الجغرافيّة كما يصرّ على رفض قرار التقسيم رقم 181 من نوفمبر عام 1947، أمّا نهايتها أو انعكاسها الحالي والواضح، بل الصارخ في نظر الكثيرين،  فهو ما نراه في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من إبداء إسرائيل استخفافَها بالمؤسّسات الدوليّة وبقراراتها، وذلك يسري على هيئات الأمم المتحدة، والمنظّمات المتخصّصة المرتبطة بها، وعلى مختلف المنظمات الإقليمية والدولية كذلك، إذ يعلن المسؤولون الإسرائيليّون جهارًا نهارًا، أنّ قراراتِ الهيئات التي تمثّل المجتمع الدولي لا تعنيهم ولا تلزمهم بشيء، وعقبَ كلّ قرار يدين إسرائيل، يسارع ممثلوها إلى إطلاق تصريحاتٍ بأنّ هذه المؤسسات معاديةٌ للسامية.

" درس في السياسة الدولية "
مراجعة الردود الإسرائيليّة ومراحل تطوّرها على مرّ السنين هو ما أؤكد أهميّته فهو درس في السياسة الدوليّة واستغلال الظروف لخدمة السياسات والمواقف، بل والمبادرة إلى تغييرات على الساحة الدوليّة يمكن تلخيصها بما قاله عام 2006 رون بروسئور مدير عام وزارة الخارجيّة ومندوب إسرائيل السابق في الأمم المتحدة من أنّه " ولّت الأيام التي كانت إسرائيل تجلس خلالها جانبًا وتتقبّل سياسة التمييز المؤسساتيّة من قبل أطر الأمم المتحدة المختلفة. نحن اليوم نحارب هذا التمييز ونعمل جاهدين لكي نطرح على أجندة الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها الضرورة الأخلاقيّة لإنهاء نبذ إسرائيل في إطار مؤسّسات الأمم المتحدة، والحاجة لوضع حدّ قاطع لحملات التحريض الدبلوماسيّة ضد دولة إسرائيل، والتي تميز طبيعة الأمم المتحدة منذ عشرات السنين. معنى الأمر واضح بالنسبة لنا – وهو الانتقال من الدفاع إلى المبادرة "، مع الإشارة إلى أنّ هذا التوجه بدأ عمليًّا نحو 30 عامًا قبل تصريح بروسئور هذا، وتحديدًا بعد العاشر من تشرين الثاني عام 1975 موعد اتخاذ الأمم المتحدة قرارها رقم 3379 بتصويت 72 دولة بنعم مقابل 35 دولة معارضة، وهو القرار الذي تبنى التعريف الجديد للصهيونيّة، والذي يصنّفها على أنها شكل من أشكال العنصريّة والتمييز العنصريّ، وأنّ على العالم مقاومة هذه الأيديولوجيا، لأنها " تشكّل خطرًا على الأمن والسلم العالميين". وهو القرار الذي ردّ عليه مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة في حينه حاييم هرتسوغ بتمزيقه قائلا: "هذا القرار خالٍ من أيّ قيمة أخلاقيّة أو قانونيّة. بالنسبة لنا، نحن الشعب اليهوديّ، هذه ليست أكثر من قطعة من الورق وسنتعامل معها على هذا النحو"، في خطوة تلاها عمل دؤوب قامت به إسرائيل والولايات المتحدة ( 3 سنوات بعد انتهاء حرب أكتوبر والحظر العربيّ لبيع النفط للولايات المتحدة ) انتهى عام 1988 بتشكيل التحالف الدوليّ لإحياء ذكرى المحرقة الذي بادرت إليه السويد، وانضمّت إليها بريطانيا وأمريكا، وهو التحالف الثلاثي الذي توسع وعقد بعد عامين من تأسيسه ( 1990 ) قمة في ستوكهولم فتحت باب العضويّة أمام الدول الراغبة في الانضمام إليه (شريطة أن تكون ديمقراطيّة )، ليصبح عدد الدول المنضوية في هذا التحالف 30 دولة، واصلت العمل لمصلحة إسرائيل لينتهي الأمر بإعلانه في العام 2016 تعريفًا جديدًا وشاملًا ( وغير ملزم)  للا ساميّة، يهدف كما جاء في بيان الإعلان الرسميّ، إلى محاربة الإرهاب واللا ساميّة ومحاولات نزع الشرعيّة عن دولة إسرائيل والربط بين القوانين القائمة في دول العالم والتعريف الجديد في كلّ ما يخصّ التحريض والتمييز العنصريّ، مستغلّين ظروفًا سياسية عالميّة وأحداثًا كبرى في التاريخ مثل انهيار الاتحاد السوفييتيّ وحرب الخليج الأولى ومؤتمر مدريد للسلام، وهو ما حدث في قضية النوويّ الإيرانيّ ووصفه بأنّه يشكّل سلاحًا في أيدي معادين للساميّة.
هذا التحالف الدوليّ كان منذ العام 1990 وحتى اليوم الأرض الخصبة التي نمت عليها " موضة الردود الإسرائيليّة على التقارير الدولية " ووصمها بأنّها معادية للساميّة، كما جاء في ردّ وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة الأخير على تقرير منظّمة العفو الدوليّة التي اتهمتها بتطبيق نظام الأبارتهايد على المواطنين العرب داخل إسرائيل وعلى المواطنين الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة على حد سواء، حيث اتهمت إسرائيل" أمنستي " بـ" معاداة السامية " إثر إصدارها تقريرها، الذي قالت المنظمة فيه إنه ينبغي مساءلة السلطات الإسرائيليّة على ارتكاب جريمة الفصل العنصريّ ضد الفلسطينيّين.
وهذا يشمل العرب المقيمين في إسرائيل والأراضي الفلسطينيّة المحتلة، فضلًا عن اللاجئين النازحين في بلدان أخرى، بحسب المنظمة، عبر عمليّات الاستيلاء الهائلة على الأراضي والممتلكات الفلسطينيّة والنقل القسريّ والقيود الشديدة على حريّة التنقل وحرمان الفلسطينيّين من حقوق المواطنة والجنسيّة، ما دفع وزير الخارجية يائير لبيد إلى اتهام المنظمة الدوليّة بأنّ تقريرها " ينكر حقّ دولة إسرائيل في الوجود كدولة أمّة للشعب اليهوديّ "، في تجسيد وتطبيق تام للتصليح في تعريف اللاساميّة المنبثق عن  التحالف الدولّي سابق الذكر، والذي يعتبر اللا سامية نظرة معيّنة لليهود يمكن التعبير عنها بكراهيّة اليهود بتعبيرات لفظيّة وجسديّة، وتعبيرات يمكن أن توجه ضدّ دولة إسرائيل التي تعتبر جماعة يهوديّة.

" تكميم أفواه الأصوات المعارضة "
بيد أن الأمر لم يتوقّف عند الردود على التقارير الدوليّة، بل إن " تهمة اللا ساميّة " أصبحت أداة قياس للحقب التي مرّ بها الصراع على المستوى الرسميّ لصالح إسرائيل وتعريفها للاساميّة وتحوّلها إلى أداة للتصدي للانتقادات الموجّهة ضدها، وتكميم أفواه الأصوات المعارضة لسياساتها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، وتبنيها لسياسات تؤيّد الاحتلال وتحوله من حكم عسكريّ مؤقّت إلى نظام دائم وأبديّ، فإنهاء الاحتلال هو مطلب ديمقراطيّ وواجب دوليّ على العالم كله توجيهه لكلّ دولة تحتل أراضي دولة أخرى أو شعب آخر، لكنّ تلويح إسرائيل بتهمة اللا ساميّة جعل العالم يتراجع قليلا خاصّة العالم الغربيّ والدول الأوروبيّة، التي ما زالت حتى اليوم تحاول " تنظيف ضميرها التاريخيّ "، وبالتالي يصعب عليها مطالبة إسرائيل بانسحاب من الضفة الغربيّة ومنح الفلسطينيين دولة مستقلة، خاصّة عندما تدعي إسرائيل استحالة ذلك بوجود زعيم فلسطينيّ هو محمود عباس أبو مازن، ينكر المحرقة ووجود حركات سياسيّة وعسكريّة فلسطينيّة ما زالت ترفض حقّ إسرائيل في الوجود منها " حماس " واستمرار المطالبة بحقّ العودة، إلى الأرض التي تشكّل منذ 1948 بيتًا قوميًّا لليهود، وهو ما أدّى إلى اضمحلال احتمالات حلّ الدولتين، كما يقول المؤرخ والباحث الشهير البروفيسور أيان لوستيك في كتابه: " النموذج المفقود: من حلّ الدولتين إلى واقع الدولة الواحدة "، والذي يقول فيه إنّ استمرار إسرائيل في التلويح بتهمة اللا ساميّة ومواصلتها الحديث إلى العالم بأسلوب: " إذا ما حدث كذا وكذا فإنّ دولة اسرائيل سوف تنهار "، يعني بالنسبة لإسرائيل أنّ سيطرتها على الضفة الغربيّة هي شرط لبقائها، وليس احتلالا وأنّ قيام دولة فلسطينيّة سيؤدّي إلى انتهاء الدولة اليهوديّة.
لذلك، لا يمكن قبول أيّ اتهام لها بانتهاج الأبارتهايد، أو السيطرة على أملاك فلسطينيّة في سلوان والشيخ جراح أو القدس والضفة وعدم منح الفلسطينيّين حقّهم في أملاكهم في غربي القدس، أو اتهامها بتشريعات تجعل المواطنين العرب فيها مواطنين مشروطين، أو من الدرجة الثانية، أو الثالثة كقانون القوميّة، فكلّها في عرف إسرائيل ليست خطوات احتلاليّة، أو تمييزيّة وإنما خطوات تهدف للحفاظ على اليهود ومواجهة اللاساميّة ضدهم.
وبالتالي فإنّ الأهمّ هو ضمان بقاء إسرائيل ويمكن حينها لباقي الأمور أن تنتظر فالغاية " ضمان البيت القومي لليهود " تبرر الوسيلة، رغم أنّ تصرّفات الحكومات المتعاقبة تعني تحويل إسرائيل من دولة صهيونيّة إلى دولة يهوديّة متديّنة متطرّفة، وصفها المؤرّخ الأمريكيّ البريطانيّ طوني جاديت بأنها " مخلوق سياسي أو كيان سياسيّ فوضويّ عفا عليه الزمن، ويعني وأْد كافّة أحلام أولئك الليبراليين الذين يؤيّدون حلّ الدولتين نحو حالة تحتّم بدء التفكير بحلّ الدولة الواحدة ثنائيّة القوميّة "، أو ما قال عنه الصحفي بيتر باينرت في مقال نشره في صحيفة " نيو يورك تايمز" أنّه " لا يؤمن أكثر باحتمالات حلّ الدولتين، وأنّ الخيار الوحيد للحفاظ على وطن قوميّ لليهود هو خيار الدولة ثنائيّة القوميّة التي تتّسم بالديمقراطيّة "، وهو في الواقع حال مستحيل خاصّة على ضوء تصرّفات الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة وخاصّة حكومات بنيامين نتنياهو التي أبقت المستوطنات ووسعتها وجعلت إقامة دولة فلسطينيّة قابلة للحياة أمرًا مستحيلًا وصولا حتى إلى عهد إسحق رابين الذي رغم اتفاقيات أوسلو رفض التوقيع على مرسوم بتفكيك المستوطنات في الضفة الغربيّة، وإجهاض حلّ الدولتين، وهو ما يعزوه البروفيسور أيان لوستيك إلى أسباب عديدة أوّلها هو " الجدار الحديدي "، كما جاء في مقال زئيف جابوتنسكي من عام 1923، وملخّصه أنّ على إسرائيل إظهار قوتها ومناعتها وحصانتها دائمًا، وبشكل متواصل كشرط لقبولها في العالم العربيّ وفي الشرق الأوسط، وبالتالي فإنّ أيّ انسحاب سيتم تفسيره على أنّه ضعف يشكّل في النهاية خطرًا، والثاني هو" تأثير الكارثة النازيّة " وما يحمله بالنسبة لليهود من خوف ورعب وانعدام للثقة بشعوب العالم عامّة وشعوب المنطقة خاصّة، والدور الرئيسيّ الذي تلعبه الكارثة في صياغة الوعي الإسرائيليّ وتجذير الاعتقاد بأنّ الأغيار أي غير اليهود عامّة والعرب خاصّة هم لا ساميّون منذ الولادة ينتظرون أول فرصة لقتل اليهود، ولذلك لا يمكن إيلاءهم الثقة، وتأثيرات ذلك على صياغة الرواية التاريخيّة الإسرائيليّة، وما يتعلّق منها بما حدث عشية عام 1948 من ترحيل ونكبة حلّت بالفلسطينيّين، والثالث هو اعتماد إسرائيل على القوة غير المتناهية وغير المحدودة للوبي اليهوديّ في أمريكا ( أو كما قالوا : سيطرة نتنياهو على البيت الأبيض والكونغرس بشقيه ) وما يترتّب على ذلك من دعم عسكريّ وماديّ لإسرائيل ( نصف الدعم العسكريّ الأميركيّ العالميّ يخصّص لإسرائيل ومعه مبلغ 4 مليار دولار إضافيّة كلّ عام) ، وكلّها عوامل تمنع إسرائيل من التفكير في حلّ سياسيّ، وتمنع قياداتها صاحبة التوجّهات الدينيّة اليمينيّة المتطرّفة من النظر إلى المستقبل الذي سيكون فيه من المؤكّد قيام دولة ثنائيّة القوميّة تشكّل نموذجًا خاصًا من الحكم الذي على العرب والفلسطينيّين داخله النضال، لتحقيق المساواة في الحقوق أسوة بما فعله السود والملوّنون في أمريكا على مدار عشرات السنين حتى تحقيق المساواة، كما وصفه لوستيك في مداخلته، داعيًا إلى التفكير في خيارات بديلة عن إطار " حلّ الدولتين "، وتبني إطار الحقوق المتساوية في دولة واحدة.

" حالة خطيرة "
ما سبق يخلق حالة خطيرة ملخّصها أنّ رفض حكومات إسرائيل البحث عن حلّ لما حدث بعد عام 1967، أي احتلال الضفة والجولان وغور الأردن وسيناء التي تمّ الانسحاب منها باتفاقيّات كامب ديفيد وبهدوء يشكّل نقيضًا للضجة حول الانسحاب من الضفة أو الجولان أو حتى الانسحاب من غزة من طرف واحد ( بسبب الأبعاد أو التوجّهات الدينية التي أصبحت حجر الأساس في سياسات إسرائيل )، يعود فيها الصراع إلى مربعه الأوّل، أي إلى عام 1948 عبر إنكار إسرائيليّ تامّ لما حدث، ومنه ما تمّ الكشف عنه في الفيلم  الوثائقيّ " الطنطورة " للمخرج ألون شفارتس، الذي يوثّق إفادات جنود من لواء " ألكسندروني " يعترفون بارتكاب مجزرة مروعة في  قرية الطنطورة الفلسطينيّة، ودفن شهدائها في قبر جماعيّ. وهو ما أكّد صدق الرواية الفلسطينيّة الموثّقة سابقًا حول ارتكاب  المجزرة في أيّار 1948، علمًا أنّ الباحث تيدي كاتس كان قد تحدّث منذ عقدين وأكثر عن هذه المجزرة في بحث أكاديميّ تراجع عنه بعد تهديد جنود من وحدة " ألكسندرونيّ" بمقاضاته، ليتراجع عن نشره في حالة تشكّل  إنكارًا للماضي من قبل الجيل الأول في إسرائيل يرافقه تجاهل للمستقبل من قبل الجيل الثاني أو الثالث وبضمنه قيادة إسرائيل الحاليّة والسابقة وخاصّة اليهود من أصل شرقيّ(اليهود العرب) واليمين المتديّن والمتزمّت والمستوطنين.
من هنا جاء اللجوء إلى تهمة " اللا ساميّة " تجاه كلّ من يحاول مطالبة إسرائيل بالاعتراف بالماضي، وتصحيح الأخطاء التي ارتكبت فيه ( وكأنّ إسرائيل تقول إنّ هناك ملايين اللاجئين والحروب الدامية لا يلتفت إليها العالم، بل يصرّ على مطالبة إسرائيل بخطوات تعني نهايتها )، والنظر إلى المستقبل والحاضر بحثًا عن حلّ، ليتمّ اتهام كلّ من ينتقد إسرائيل باللا ساميّة حتى لو كان يهوديًّا، كما حدث في تقرير القاضي غولدستون عام 2008 الذي رفضت إسرائيل التعاون معه، بل اتهمه أقرانه اليهود بمعاداة الساميّة، لقوله إنّ القوات الإسرائيليّة ارتكبت جرائم حرب.
هذا هو التسلسل التاريخيّ الذي بدا بالتمسك بقرارات دوليّة طالما كانت لصالح إسرائيل، التي أقيمت أصلًا بقرار أممي، والمناداة بقبول واحترام قرارات تضمن حقّها في الوجود، وتنتقد رفض الدول العربيّة له، ثمّ تحوّلت بعد أن اشتد عود إسرائيل خاصّة مع نتائج حرب الأيام الستة عام 1967 ، وعملًا بقول الشاعر معن بن أوس المزنيّ: " أعلّمه الرماية كلّ يوم فلما اشتدّ ساعده رماني " إلى قلب ظهر المجنّ للمنظّمات والشرعيّة الدوليّة، وتحايل على اتفاقيّات سياسيّة برعاية دوليّة، وعلى قرارات تدعو  إلى الانسحاب واعتماد على القوة العسكريّة مقابل ضعف الخصوم وصولًا إلى حالة تستخف إسرائيل فيها بالشرعيّة الدوليّة، وتقوّض حلّ الدولتين ( وطن قوميّ لليهود ودولة للفلسطينييّن)، وتصرّ على الاحتلال عبر إنكار للماضي وأخطائه، بل شرعنتها واتهام من يطالب بكشفها بالعداء للساميّة، وتجاهل للمستقبل خضوعًا لأجندات قوميّة يمينيّة تنقل إسرائيل من دولة ديمقراطيّة إلى دولة يهوديّة، ومن ثمّ إلى كيان دينيّ لليهود، ولتقول بإنّها جزء لا يتجزّأ من الشرق الأوسط الذي يتحكّم فيه الفكر الدينيّ السياسيّ.


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
[email protected].